كلما حلت ذكرى انتصارات أكتوبر، تعود إلى الذاكرة واحدة من أكثر التجارب العسكرية إثارة للدرس في التاريخ الحديث، تجربة جيش استطاع، بعد سنوات من إعادة البناء والتخطيط والتدريب، أن ينقل المعركة إلى أرض كان يُنظر إليها باعتبارها حصنًا إسرائيليًا شديد التحصين، وأن يعبر قناة السويس، ويقتحم منظومة خط بارليف، ويقيم رؤوس كباري على الضفة الشرقية، في عملية...
أحمد عبدالوهاب كلما حلت ذكرى انتصارات أكتوبر، تعود إلى الذاكرة واحدة من أكثر التجارب العسكرية إثارة للدرس في التاريخ الحديث، تجربة جيش استطاع، بعد سنوات من إعادة البناء والتخطيط والتدريب، أن ينقل المعركة إلى أرض كان يُنظر إليها باعتبارها حصنًا إسرائيليًا شديد التحصين، وأن يعبر قناة السويس، ويقتحم منظومة خط بارليف ، ويقيم رؤوس كباري على الضفة الشرقية، في عملية عسكرية اعتمدت على عنصر المفاجأة، ودقة التخطيط، وتكامل الأسلحة، وقدرة المقاتل المصري على تنفيذ مهام معقدة في ظروف بالغة الصعوبة.
ومع حلول شهر أكتوبر، تعيش مصر أجواء الاحتفالات بذكرى أعظم انتصار في التاريخ الحديث، وتتزامن تلك الأيام مع الذكرى الـ53 لنصر أكتوبر المجيد، عندما لقن الجيش المصري الباسل، إسرائيل ومن خلفها دعم غير محدود من الويات المتحدة الأمريكية، درسًا قاسيًا في فنون التخطيط والتنفيذ والقتال، في خطة مُحكمة، توّجت بانتصار سحق العدو الإسرائيلي، واستعاد أرض سيناء الغالية. لم تكن المعركة مجرد عبور لمجرى مائي، وإنما كانت مواجهة مع منظومة دفاعية متكاملة أنشأتها إسرائيل بعد احتلال سيناء عام 1967، وجمعت بين الساتر الترابي والتحصينات والنقاط الحصينة ووسائل الإنذار والموانع الهندسية، ولهذا جاءت الخطة المصرية لتتعامل مع كل عنصر من عناصر المنظومة على حدة، بدلًا من محاولة اختراقها بالقوة المباشرة.
وتؤكد الوثائق، أن التخطيط الاستراتيجي للحرب، الذي وضعه الرئيس الراحل البطل محمد أنور السادات، شمل إعداد خطط العمليات والخطط التكميلية وتنظيم التعاون بين القوات، بما عكس طبيعة الحرب باعتبارها عملية مركبة وليست هجومًا منفردًا. في السادس من أكتوبر 1973، بدأت القوات المسلحة تنفيذ عملية العبور في توقيت محسوب، واستهدفت الضفة الشرقية للقناة في وقت متزامن مع الضربة الجوية والتمهيد المدفعي وتحرك قوات المشاة والمهندسين، إذ توضح المواد التاريخية المنشورة عبر وزارة الدفاع المصرية أن سلاح المهندسين كان عنصرًا محوريًا في فتح الممرات داخل الساتر الترابي وتجهيز الكباري والمعديات اللازمة لاستمرار تدفق القوات والمعدات.
وكان الساتر الترابي أحد أكثر عناصر خط بارليف إثارة للتحدي، إذ إن التعامل معه بالوسائل التقليدية كان سيستغرق وقتًا طويلًا ويعرض القوات لخسائر كبيرة، هنا جاءت فكرة استخدام طلمبات المياه ذات الضغط العالي، المرتبطة باسم المقدم مهندس باقي زكي يوسف، لتتحول المشكلة من مواجهة مباشرة مع كتلة ترابية ضخمة إلى عملية هندسية تعتمد على ضغط المياه وإزالة الرمال تدريجيًا. وهنا يظهر أحد أهم دروس أكتوبر، التفوق العسكري لا يرتبط دائمًا بحجم السلاح وحده، وإنما بقدرة القيادة على تحويل المعرفة إلى حلول عملية، وتوظيف الإمكانات المتاحة وفق خطة دقيقة.
فالمشكلة التي تبدو للوهلة الأولى مستحيلة الحل بالقوة المباشرة، جرى التعامل معها باعتبارها مسألة هندسية يمكن تفكيكها إلى خطوات قابلة للتنفيذ. عبور المشاة لم يكن سوى بداية العملية، فنجاح القوات المسلحة المصرية في الوصول إلى الضفة الشرقية كان يحتاج إلى تأمين استمرار تدفق الأفراد والمعدات الثقيلة، وهو ما وضع سلاح المهندسين أمام مهمة أخرى لا تقل صعوبة، إقامة الكباري وتجهيز المعديات تحت ضغط النيران.
وبمجرد فتح الممرات، بدأت عمليات إنشاء الكباري والعبور المنظم، بينما خاضت القوات المصرية معارك لتأمين النقاط الحصينة وتوسيع رؤوس الكباري، وتظهر وثائق القوات المسلحة أن العملية لم تتوقف عند لحظة العبور الأولى، وإنما استمرت في مواجهة الهجمات المضادة وإدارة القتال شرق وغرب القناة حتى وقف إطلاق النار. هذه النقطة تحديدًا تكشف أن قيمة انتصار أكتوبر لا تختزل في صورة الجنود وهم يعبرون القناة، وإنما في القدرة على الحفاظ على القوات بعد العبور، وإدارة المعركة في بيئة عملياتية شديدة التعقيد.
فقد كان المطلوب إنشاء وجود عسكري مستقر على الضفة الشرقية، وتأمينه، وإمداده، والتعامل مع الهجمات المضادة، وهي مهام تتطلب تنسيقًا بين المشاة والمدرعات والمدفعية والمهندسين والدفاع الجوي والقوات الجوية. كانت إسرائيل تدخل الحرب وهي تعتمد على منظومة عسكرية متطورة، وعلى شبكة تحصينات أقيمت في سيناء بعد عام 1967، فضلًا عن تفوق نوعي في بعض مجالات التسليح والخبرة العملياتية، ولذلك فإن نجاح القوات المسلحة المصرية في اختراق خط بارليف وإقامة رؤوس كباري على الضفة الشرقية حمل أهمية عسكرية ونفسية تتجاوز حدود الموقع الجغرافي ذاته.
قراءة حرب أكتوبر بصورة دقيقة، تتطلب أيضًا عدم اختزالها في رواية أحادية الجانب، لأن الحرب شهدت مراحل متعددة، وتغيرت خلالها أوضاع القوات على الأرض، ووفقًا للتوثيق الأمريكي الرسمي، بدأت الولايات المتحدة في 14 أكتوبر جسرًا جويًا لإعادة إمداد إسرائيل بالأسلحة، بعد أن طلبت تل أبيب الدعم الأمريكي، واستمر هذا الإمداد خلال مراحل لاحقة من الحرب. وتكشف وثائق الخارجية الأمريكية أن واشنطن ناقشت تسريع عمليات الإمداد البحري والجوي لإسرائيل، كما تضمنت الوثائق ترتيبات أمريكية لمتابعة خسائر المعدات الإسرائيلية وتعويضها.
وبذلك فإن الإشارة إلى الدعم الأمريكي ليست مجرد توصيف سياسي، بل لها أساس في الوثائق الأمريكية الرسمية التي توثق طبيعة المساندة العسكرية خلال الحرب. ربما كان أهم ما حققته القوات المسلحة في أكتوبر، هو كسر الاعتقاد بأن التحصينات وحدها يمكن أن تمنح جيشًا أمنًا دائمًا، فخط بارليف لم يكن مجرد ساتر ترابي، وإنما كان جزءًا من تصور أوسع للأمن الإسرائيلي في سيناء، تصور يقوم على وجود منطقة عازلة يصعب اختراقها، وتحقيق إنذار مبكر، وإتاحة الوقت لقوات الاحتلال الإسرائيلية للحشد والرد.
لكن العبور المصري، أثبت أن منظومات الدفاع، مهما بلغت درجة تحصينها، تصبح قابلة للاختراق عندما تواجه تخطيطًا يستهدف نقاط ضعفها ويجمع بين المفاجأة والقوة النيرانية والحلول الهندسية والقتالية المتزامنة. ونجحت القوات المسلحة، في تحويل عنصر كان ينظر إليه باعتباره عائقًا مطلقًا إلى مجرد مرحلة في خطة العبور، لأن القناة لم تعد حاجزًا، والساتر الترابي لم يعد مانعًا مستحيلًا، والنقاط الحصينة لم تعد قادرة وحدها على وقف تقدم القوات المصرية.
مع دخول الدعم الأمريكي على خط الحرب، أصبحت المعركة أكثر تعقيدًا، إذ تحولت القدرة على تعويض الخسائر وإعادة الإمداد إلى عنصر مؤثر في استمرار القتال، وتوثق المصادر الأمريكية وصول الأسلحة الأمريكية إلى إسرائيل ابتداءً من 14 أكتوبر، في الوقت الذي كانت فيه المعارك قد دخلت مراحل جديدة. لكن الدعم الخارجي لا يلغي حقيقة أن القوات المسلحة المصرية، كانت قد حققت بالفعل عبورها للقناة وأقامت رؤوس الكباري شرقها، وهي الوقائع التي وثقتها المصادر المصرية والأمريكية على السواء، كما أن الوثائق الأمريكية نفسها تظهر أن المسؤولين الإسرائيليين كانوا يتعاملون مع الخسائر العسكرية والحاجة إلى إعادة الإمداد باعتبارها قضية أساسية خلال الحرب.
خلال الحرب، كانت هناك منظومة دولية كاملة تتحرك حول الحرب، وكان الدعم السوفيتي لمصر وسوريا يقابله الدعم الأمريكي لإسرائيل، بينما كانت المعركة على الأرض تُحسم بقدرة كل طرف على استخدام موارده وتحقيق أهدافه العسكرية. بعد أكثر من خمسة عقود، تظل حرب أكتوبر حاضرة في الدراسات العسكرية ليس فقط بسبب عبور قناة السويس، وإنما بسبب الطريقة التي جرى بها إعداد القوات المصرية للعملية، فقد سبق الحرب سنوات من إعادة البناء والتدريب والتخطيط، ثم جاءت العملية في صورة مراحل مترابطة "ضربة وتمهيد نيراني، عبور، فتح ثغرات، اقتحام التحصينات، إقامة الكباري، تثبيت رؤوس الكباري"، ثم التعامل مع الهجمات المضادة وتطورات الموقف.
لقد كانت قناة السويس في السادس من أكتوبر اختبارًا لقدرة القوات المصرية على اختراق مانع مائي وهندسي وعسكري في وقت واحد، وكان خط بارليف اختبارًا لقدرتها على مواجهة منظومة دفاعية جرى تقديمها باعتبارها شديدة الصعوبة، أما استمرار العمليات بعد العبور فكان اختبارًا للقدرة على إدارة الحرب في مراحلها المختلفة. ومع حلول الذكرى 53، يظل نصر أكتوبر المجيد، واحدًا من أبرز المحطات في التاريخ العسكري المصري الحديث، ليس لأنها قدمت صورة مبسطة عن «جيش لا يُقهر» في مواجهة «جيش آخر»، وإنما لأنها كشفت أن التفوق العسكري لا يصنعه السلاح وحده، وأن التخطيط والسرية والتدريب والتكامل بين الأسلحة والقدرة على الابتكار يمكن أن تغير حسابات معركة. رصيف معبد خوفو الجنائزي.. شاهد صامت على أسرار بناء الهرم الأكبر
حرب أكتوبر ذكرى نصر أكتوبر المجيد حرب أكتوبر 1973 خط بارليف القوات المسلحة الجيش المصري عبور القناة جيش الاحتلال الإسرائيلي سيناء العدو الإسرائيلي
مصر أحدث الأخبار, مصر عناوين
Similar News: يمكنك أيضًا قراءة قصص إخبارية مشابهة لهذه التي قمنا بجمعها من مصادر إخبارية أخرى.
ترحيل المتهمة بالزنا وتصوير 73 مقطعًا إباحيًا بعد حبسها 15 يوماترحيل المتهمة بالزنا وتصوير 73 مقطع ا إباحي ا بعد حبسها 15 يوما | مصراوى
اقرأ أكثر »
صدمة وصراخ.. كيف استقبلت صاحبة الـ 73 مقطعًا جنسيًا الحكم بحبسهاصدمة وصراخ كيف استقبلت صاحبة الـ 73 مقطع ا جنسي ا الحكم بحبسها | مصراوى
اقرأ أكثر »
تفوقت على 73 متسابقة.. من هي ملكة جمال الكون 2021تفوقت على 73 متسابقة من هي ملكة جمال الكون 2021 | مصراوى
اقرأ أكثر »
الإمارات الأول ومصر الـ 73.. تصنيف جوازات السفر على مستوى العالم (تفاعلي)الإمارات الأول ومصر الـ 73 تصنيف جوازات السفر على مستوى العالم تفاعلي | مصراوى
اقرأ أكثر »
سامية أبو النصر: نقول للشباب أن استرداد الأرض لم يكن سهلا ولكن بالحرب ثم التفاوضقالت الكاتبة الصحفية الدكتورة سامية أبوالنصر، إن كتاب 'خمسون عامًا على ملحمة الإعجاز أكتوبر 73' نتاج مجهود أكثر من 20 عاما والذى جاء لتوثيق أحداث حرب أكتوبر 73.
اقرأ أكثر »
كنائس بروتستانتية تدعو الحكومة الهولندية للاعتراف بفلسطين• إدارات 73 كنيسة بروتستانتية في هولندا طالبت الحكومة بوقف إرسال الأسلحة لإسرائيل، والاعتراف بدولة فلسطين دعت إدارات 73 كنيسة بروتستانتية في هولندا، الحكومة إل
اقرأ أكثر »
