إسلام عفيفى يكتب: الهوية الوطنية.. حديث ليس للنخبة

إسلام عفيفى أخبار

إسلام عفيفى يكتب: الهوية الوطنية.. حديث ليس للنخبة
الهوية الوطنية, محافظات مصر, وزارة الثقافة

أخطر ما يمكن أن يحدث للهوية الوطنية ليس أن يهاجمها خصم من الخارج، بل أن تتحول داخل الدولة نفسها إلى مفهوم احتفالى؛ إلى نشيد فى مناسبة، أو علم على مبنى، أو فصل فى كتاب، بينما تظل الحياة اليومية للمواطن منفصلة تمامًا عن المعانى،

حسام حسن يعلن تشكيل منتخب مصر لمواجهة أنجولا بتصفيات أمم أفريقيا حسام موافي يوضح أسباب «المياه على الرئة»..

ويحذر من حالة أكثر خطورةالزمالك يحقق فوزه الأول في دوري الكرة النسائية أخطر ما يمكن أن يحدث للهوية الوطنية ليس أن يهاجمها خصم من الخارج، بل أن تتحول داخل الدولة نفسها إلى مفهوم احتفالى؛ إلى نشيد فى مناسبة، أو علم على مبنى، أو فصل فى كتاب، بينما تظل الحياة اليومية للمواطن منفصلة تمامًا عن المعانى، التى يفترض أن تمثلها هذه الهوية، فالهوية ليست ما نقوله عن أنفسنا فقط، وإنما ما يختبره الإنسان كل يوم فى علاقته بوطنه، وبمؤسساته، وبمجتمعه، وبذاكرته، وبالآخر المختلف عنه، ولهذا فإن قضية الهوية ليست ملفًا ثقافيًا ملحقًا بعمل الدولة، بل جزء من بنيتها الاستراتيجية، لأن الدولة التى تفقد القدرة على إنتاج معنى مشترك بين مواطنيها تستطيع أن تمتلك جيشًا قويًا واقتصادًا كبيرًا، لكنها تظل معرضة للتآكل من الداخل.

وهذا تحديدًا ما يجعل «وثيقة الهوية الوطنية» الصادرة عن مكتبة الإسكندرية مهمة؛ فهى لا تقدم الهوية باعتبارها ماضيًا يجب حفظه، بل باعتبارها منظومة حية من الذاكرة والقيم واللغة والمواطنة والانتماء، وترى أن التماسك الاجتماعى والثقة العامة والوعى بالتاريخ جزء من القوة الشاملة للدولة، لا مجرد زينة ثقافية حولها، كما أنها تخاطب الأسرة والتعليم والإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية والمجتمع المدنى بوصفهم جميعًا شركاء فى بناء هذه الهوية.

لكننى أرى أن النقطة، التى تستحق نقاشًا أوسع هى دور أجهزة الدولة التنفيذية نفسها، فالهوية لا تصنعها وزارة الثقافة وحدها، ولا تُبنى بقرار إدارى يطالب المواطنين بالانتماء، المواطن يتعلم معنى الدولة من طريقة عمل الدولة، عندما يدخل مكتبًا حكوميًا، أو مدرسة، أو مستشفى، أو يتعامل مع حى أو محافظة أو جهة خدمية، فهو لا يتلقى خدمة فقط، بل يتلقى رسالة غير مكتوبة عن موقعه داخل هذا الوطن: هل هو مواطن له حق، أم مجرد طالب خدمة؟ هل القانون يراه مساويًا لغيره، أم أن الوساطة أقوى؟

هل الدولة حاضرة فى حياته بعدل وكفاءة، أم لا يراها إلا عند العقاب؟ وهنا تتحول الإدارة العامة من جهاز خدمات إلى جهاز إنتاج للثقة أو إنتاج للاغتراب.

ولهذا فإن المساواة ليست مسألة قانونية منفصلة عن الهوية، والعدالة فى الحصول على الخدمات ليست شأنًا اقتصاديًا فقط، الوثيقة نفسها تربط الهوية بعمومية المساواة والمسئولية والثقة، وتعتبر أن الثقة هى التى تنقل الأفراد من الدوائر الضيقة إلى المجال العام، وتؤسس لشعورهم بأنهم جزء من مجتمع واحد، وأعتقد أن هذه الفكرة هى مفتاح الموضوع كله: لا يمكن أن تطلب من المواطن أن يشعر بانتماء عميق إلى وطن لا يشعر داخله بالعدل، الهوية القوية ليست خطابًا يطلب الولاء، بل بيئة تجعل الولاء نتيجة طبيعية للشعور بأن الدولة تمثلك وتحمى حقك وتحترم كرامتك.

من هنا يصبح أداء الأجهزة التنفيذية جزءًا من الأمن القومى بمعناه الأوسع، الحى الذى يطبق القانون بعدالة، والمحافظة التى تحفظ التراث العمرانى، والمدرسة التى تصنع عقلًا لا مجرد درجات، ومركز الشباب الذى يفتح مساحة للانتماء بدل أن يترك الشباب بالكامل للفضاء الرقمى، كلها مؤسسات تعمل فى ملف الهوية حتى لو لم تحمل هذا الاسم، وفى المقابل، فإن الإهمال والبيروقراطية والتمييز وضعف الخدمات لا تنتج فقط غضبًا اجتماعيًا، بل تنتج مسافة نفسية بين المواطن ووطنه، وهذه المسافة هى أخطر ما يمكن أن يتسلل منه خطاب متطرف أو شائعة أو محاولة تفكيك.

وهنا يأتى الوعى، فالهوية بلا وعى يمكن أن تتحول بسهولة إلى تعصب، والوعى بلا هوية يمكن أن يتحول إلى انفصال كامل عن المجتمع، المطلوب هو المواطن الذى يعرف تاريخه لكنه لا يعيش أسيرًا له، يعتز بثقافته لكنه لا يخاف من الثقافات الأخرى، ويختلف مع مواطن آخر دون أن يحوله الاختلاف إلى خصومة مع الوطن نفسه، وهذا أصعب كثيرًا من مجرد تعليم تاريخ أو ترديد رموز وطنية؛ لأنه يحتاج إلى مدرسة تصنع عقلًا نقديًا، وإعلام يحترم عقل الجمهور، وثقافة تسمح بالتنوع داخل الإطار الوطنى المشترك.

الوثيقة محقة عندما تحذر من التحولات الرقمية، والمعلومات المضللة، وخطاب الكراهية، ومحاولات تشويه الذاكرة التاريخية وإضعاف الثقة الاجتماعية، لكن التحدى أكبر من مواجهة «خبر كاذب» نحن أمام جيل قد تتشكل صورته عن بلده بالكامل عبر خوارزمية لا يعرف مَن صنعها ولا لماذا تعرض عليه هذا المحتوى، ولذلك فإن معركة الوعى ليست معركة حذف منشور، بل معركة بناء عقل قادر على المقاومة، الدولة التى لا تعطى أبناءها أدوات التفكير والتحقق تتركهم مكشوفين حتى لو أغلقت ألف صفحة.

وهنا يصبح الإعلام الوطنى مسئولًا عن شىء أعمق من الدفاع عن صورة الدولة، وظيفته الحقيقية أن يحافظ على مساحة مشتركة للحقيقة، الإعلام الذى يخفى المشكلات يضعف الثقة، والإعلام الذى يحول كل مشكلة إلى انهيار يضعف المجتمع، القوة فى المساحة الأصعب بين الاثنين: أن يعترف بالمشكلة، يشرح أسبابها، يفتح النقاش، ويمنع فى الوقت نفسه تحويل النقد إلى تحريض على الكراهية أو هدم الثقة العامة، لأن المجتمع المتماسك ليس المجتمع الذى يتفق على كل شىء، بل الذى يحتفظ بقواعد مشتركة للاختلاف.

والهوية المصرية تحديدًا لا تحتاج إلى تعريف ضيق أو مصنوع، قوتها التاريخية فى أنها تراكمية؛ تحمل مصر القديمة والقبطية والعربية والإسلامية والمتوسطية والإفريقية، وتجمع الصعيد والدلتا وسيناء والنوبة والواحات والسواحل داخل إطار واحد، الوثيقة تؤكد هذا الامتداد وتعتبر التنوع جزءًا أصيلًا من الهوية لا تهديدًا لها، وهنا يجب أن يكون دور الدولة حماية هذا التنوع لا تسطيحه، فحين يشعر النوبى أو السيناوى أو ابن الصعيد أو ابن الدلتا أن ثقافته المحلية موجودة فى المجال العام، يصبح الانتماء الوطنى أوسع لا أضعف، أما الهوية التى تحاول أن تجعل الجميع نسخة واحدة، فهى فى الحقيقة تصنع هشاشتها بنفسها.

حتى اللغة يجب أن تُفهم فى هذا السياق فحماية العربية ليست معركة ضد اللغات الأجنبية، بل معركة ضد أن تصبح لغة المجتمع نفسه عاجزة عن إنتاج المعرفة، الوثيقة تربط اللغة بالذاكرة والتواصل والثقافة المشتركة، وتدعو إلى تعزيز حضورها فى التعليم والعلم والإعلام والفضاء الرقمى مع الانفتاح على اللغات الأخرى، وهذه معادلة ضرورية؛ لأن المجتمع الذى يتعلم بلغات العالم يزداد قوة، لكن المجتمع الذى يفقد احترام لغته الأم يفقد تدريجيًا جزءًا من قدرته على نقل ذاكرته بين الأجيال.

وفى رأيى، التحدى الحقيقى أمام وثيقة الهوية ليس صياغتها بل كيفية تحويل المبادئ إلى برامج تعمل عليها الوزارات والمؤسسات والمجتمع المدنى، وإلى استدامة هذا الجهد وعدم تحويله إلى مناسبة عابرة، وهنا يجب أن ننتقل من لغة «التوعية» إلى لغة السياسات: ماذا ستفعل وزارة التعليم؟ وكيف تقيس أثرها؟ ماذا ستغير الثقافة فى المحافظات؟ كيف ستشارك المحليات؟

ما دور الإعلام؟ كيف نعيد الاعتبار لمراكز الشباب والمكتبات؟ وكيف نعرف بعد خمس سنوات أن الثقة والانتماء والوعى أصبحت أقوى؟ مصر لا تعانى من غياب هوية؛ لديها واحدة من أعمق الهويات الوطنية فى المنطقة والعالم، وذاكرتها الحضارية ممتدة بصورة استثنائية، لكن التاريخ لا يمنح حصانة أبدية، يمكن لمجتمع شديد القدم أن يتعرض لتآكل سريع إذا تراجعت الثقة، وضعف التعليم، وانقطعت الذاكرة بين الأجيال، وتحول العالم الرقمى إلى المصدر الوحيد للوعى، وشعر بعض المواطنين أنهم خارج الحكاية الوطنية.

لهذا فإن حماية الهوية ليست دفاعًا عن الماضى، بل استثمار فى قدرة الدولة على البقاء متماسكة فى المستقبل، والدولة التى تريد هوية قوية لا تطلب من المواطن فقط أن يحب وطنه، بل تعمل يوميًا لكى يجد فى هذا الوطن ما يستحق الانتماء إليه: عدالة يشعر بها، تاريخ يعرفه، ثقافة تمثله، لغة يحترمها، مؤسسة تثق فيه ويحترمها، ومساحة يختلف داخلها دون أن يُدفع إلى خارج الجماعة الوطنية. هذه هى المسألة فى جوهرها: الهوية ليست ما نقوله عندما نرفع العلم، وإنما ما يبقى بيننا عندما تختلف المصالح، وتشتد الأزمات، وتنتشر الشائعات، ويحاول أحد أن يقنع كل فئة بأن خلاصها خارج الجماعة الوطنية، عندها فقط نعرف إن كنا قد بنينا هوية حقيقية أم اكتفينا بصناعة شعارات.

وما كان لنا أن نختتم الحديث دون توجيه كل التقدير والاحترام للواء خالد فودة مستشار الرئيس للتنمية المحلية على فكرة المؤتمر الذى نتمنى استدامته متجولًا بين محافظات مصر من شمالها إلى جنوبها ليؤكد عمليًا شراكة الجميع وعلى قدم المساواة تعبيرًا عن هويتنا بكل روافدها.

لقد قمنا بتلخيص هذا الخبر حتى تتمكن من قراءته بسرعة. إذا كنت مهتمًا بالأخبار، يمكنك قراءة النص الكامل هنا. اقرأ أكثر:

akhbarelyom /  🏆 20. in EG

الهوية الوطنية محافظات مصر وزارة الثقافة

 

مصر أحدث الأخبار, مصر عناوين