إسلام عفيفى يكتب: على خطى الإصلاح الخدمة.. الثقة.. الوعى

إسلام عفيفى أخبار

إسلام عفيفى يكتب: على خطى الإصلاح الخدمة.. الثقة.. الوعى
الأمن القومى, حائط صد, حرب السادس من أكتوبر

إذا كانت حرب السادس من أكتوبر هى أخطر المواجهات العسكرية التى عاشتها مصر وحققت فيه انتصاراً عظيما على عدو اغتصب الأرض، فإن الحرب اليومية التى فُرضت على كل بيت مصر فى عصرنا أصبحت تمثل تهديد يومى دائم ومستمر لاغتصاب والاستحواذ على العقل المصرى وغسل الأدمغة بسيل من المعلومات المضللة، وعندما تتم السيطره على العقول وبالتالى السلوك والأفعال تكون المهمه...

رئيس البرلمان العربي: اقتحام المستوطنين للمسجد الأقصى تصعيد ممنهج لفرض واقع جديدإذا كانت حرب السادس من أكتوبر هى أخطر المواجهات العسكرية التى عاشتها مصر وحققت فيه انتصاراً عظيما على عدو اغتصب الأرض، فإن الحرب اليومية التى فُرضت على كل بيت مصر فى عصرنا أصبحت تمثل تهديد يومى دائم ومستمر لاغتصاب والاستحواذ على العقل المصرى وغسل الأدمغة بسيل من المعلومات المضللة، وعندما تتم السيطره على العقول وبالتالى السلوك والأفعال تكون المهمه قد تمت بنجاح، فلن يحتاج عدو أكثر من ذلك ليهدم وطنا دون رصاصة أو دبابة على أيدى أبنائه الذين تم تغييبهم عمدا بل واستخدامهم للقيام بهذه المهمة من خلال عالم افتراضى بعد أن استعصت عليه المواجهة فى جبهات القتال الحقيقية.

وهنا أنتقل إلى مشهد شديد الدلالة ويعبر بجلاء عن عقل الدولة المصرية وشواغلها، وهذا هو المدخل الحقيقى لقراءة اللقاء الذى جمع الرئيس عبد الفتاح السيسى برئيس الوزراء ومجلسى الوزراء والمحافظين بكامل هيئتهما، وكبار المسؤولين وقادة القوات المسلحة والشرطة المدنية، إلى جانب خبراء ومتخصصين وعدد من عمد ومشايخ القرى والنجوع من محافظات مختلفة، فأحيانًا لا تتوقف أهمية الاجتماع فى عدد من حضروا، ولا فى المناصب التى اجتمعت حول الطاولة، وإنما فى الفكرة التى يجسدها شكل الاجتماع نفسه الاجتماع انعقد فى مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الجديدة، لكن أهم ما فيه أن الدولة تتحدث فيه إلى عموم المصريين فى كل ربوع الوطن.

الدلالة السياسية الأوسع للقاء: الدولة التى تريد بناء وعى وطنى لا تستطيع أن تدير الوعى من المركز فقط، فمصر ليست القاهرة، وليست المدن الكبرى وحدها، ولا يمكن أن تختزل علاقتها بالمواطن فى المؤسسات الواقعة داخل العاصمة، الرئيس أشار خلال اللقاء إلى أن مصر تضم نحو 4500 قرية يمثل سكانها نحو نصف الشعب المصرى، كما أكد حرصه على الاستماع إلى العمد والاستفادة من أفكارهم، وبحسب شهادة عمدة قرية السرارية بالمنيا، فإن دعوة العمد للمشاركة فى اجتماع رئاسى بهذا الشكل كانت تجربة غير مسبوقة بالنسبة لهم.

المهم هنا ليس مجرد أن «العمدة حضر اجتماع رفيع المستوى» أو أن «القرية وصلت إلى العاصمة» فهذه قراءة سطحية جدًا، الأهم أن الدولة، إذا أرادت أن تتعامل مع المجتمع باعتباره شريكًا فى حماية استقرارها، فإنها تحتاج إلى شبكة اتصال اجتماعى تتجاوز القنوات الرسمية التقليدية، عمدة القرية يعرف تفاصيل لا يعرفها الوزير، وشيخ القرية يعرف طبيعة العلاقات داخل مجتمعه، وأبناء الريف يرون تأثير القرارات الاقتصادية والخدمية قبل أن تصل أحيانًا إلى التقارير المركزية، وبالتالى فإن إشراك هؤلاء يمكن أن يتحول من مجرد حضور رمزى إلى مصدر للمعلومات وصناعة السياسات إذا جرى تحويل هذا التواصل إلى آلية مستمرة.

وهذه هى النقطة التى أرى أنها الأهم فى الاجتماع كله: المواطن ليس مجرد مستقبل لرسالة الدولة، بل يمكن أن يكون جزءًا من منظومة المعرفة التى تعتمد عليها الدولة فى فهم مجتمعها، فإذا كانت الدولة تريد أن تقول للمواطن: لا تصدق كل ما تسمعه، فعليها فى المقابل أن تضمن أن المعلومة الصحيحة تصل إليه بسرعة، وإذا كانت تطلب منه مقاومة الشائعة، فعليها أن تملأ الفراغ الذى تعيش فيه الشائعة، وإذا كانت تطلب منه الثقة، فعليها أن تمنحه أسبابًا عملية لهذه الثقة، لا أن تطلب منه إنتاجها من تلقاء نفسه.

وهنا يصبح حديث الرئيس عن الوعى باعتباره أولى خطى الإصلاح و«حائط صد» أمام التحديات أكثر من مجرد رسالة إعلامية، فالحرب الحديثة لا تبدأ بالضرورة بصاروخ، يمكن أن تبدأ بمعلومة مضللة، أو إحباط متراكم، أو فقدان ثقة، أو تحويل أزمة اقتصادية إلى شعور بأن الدولة فقدت السيطرة، أو دفع مجموعات اجتماعية إلى الاعتقاد بأن مصالحها تتعارض مع مصالح الوطن، والرئاسة ربطت فى الاجتماع بين هذه الأدوات وبين محاولات الإضرار بالدولة، كما دعت إلى عمل مؤسسى مستمر للحفاظ على الجبهة الداخلية.

لكن الوعى هنا يجب أن يُفهم بصورة أكثر نضجًا، الوعى ليس أن يعرف المواطن ما تريد الدولة أن يعرفه فقط؛ الوعى أن يمتلك القدرة على معرفة الحقيقة حتى عندما تكون الحقيقة غير مريحة، ولذلك فإن بناء الوعى الحقيقى لا يمكن أن يقوم على البيانات وحدها، وإنما على الشفافية وسرعة الرد وشرح القرارات والاعتراف بالمشكلات، الدولة التى تقدم المعلومة قبل الشائعة تكسب معركة، والدولة التى تتأخر ثم تحاول مطاردة عشرات الروايات المتناقضة تدخل معركة أصعب بكثير.

ومن اللافت أن الاجتماع لم يكن أمنيًا بالمعنى الضيق، فقد ناقش قضايا المياه والسد الإثيوبى، والذكاء الاصطناعى، وتطورات الشرق الأوسط، ومضيق هرمز وباب المندب، إلى جانب الأسعار والطاقة والخدمات والتعليم، وهذا يعكس تصورًا أوسع للأمن القومى: المواطن فى القرية قد يتأثر بحدث يقع آلاف الكيلومترات بعيدًا عنه، لأن ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب الملاحة أو الحرب الإقليمية يمكن أن يصل إلى سعر السلعة فى متجر قريته، ولذلك فإن شرح العلاقة بين الأحداث الخارجية والحياة اليومية ليس ترفًا سياسيًا؛ إنه جزء من بناء مجتمع قادر على فهم الأزمات بدل تفسيرها بالشائعات.

والأكثر أهمية أن الاجتماع وضع المسؤول التنفيذى نفسه داخل دائرة المساءلة عن الوعى، فالرئيس شدد على حسن معاملة المواطنين أثناء تقديم الخدمات، وعلى رفع جودة الخدمات، وهذه نقطة جوهرية لأن أقوى خطاب لبناء الثقة هو الخدمة الجيدة، المواطن الذى يقف أمام مؤسسة، فيحصل على حقه، ويجد موظفًا يتعامل معه باعتباره صاحب حق لا عبئًا على الدولة، يتلقى رسالة سياسية أقوى من مئات الخطب عن الانتماء.

ولذلك فإن قصة عمدة السرارية تستحق التوقف عندها، ليس لأنها قصة قرية بعينها، وإنما لأنها تقدم نموذجًا لفكرة أكبر العمدة تحدث عن لجنة من المثقفين لمواجهة الشائعات، وعن دعم الأسر الأكثر احتياجًا، وحصر الأيتام، وتنظيم مسابقة لحفظ القرآن، والتصدى لزواج القاصرات، كما قال إن العمل الجيد يطرد الشائعة، الرئيس اعتبر التجربة نموذجًا إيجابيًا، وهنا توجد فكرة شديدة الأهمية: أفضل رد على الشائعة ليس دائمًا شائعة مضادة، وإنما إنجاز حقيقى يمكن للناس رؤيته ولمسه.

لكن هنا أيضًا يجب أن نضع شرطًا لا غنى عنه: لا ينبغى أن يتحول مفهوم «الجبهة الداخلية» إلى ذريعة لإلغاء النقد أو التعامل مع كل اعتراض باعتباره تهديدًا، الدولة القوية لا تخاف من الأسئلة، بل تحتاج إليها؛ لأن النقد يكشف مواطن الخلل قبل أن تتحول إلى أزمات، الفارق هو بين نقد يريد إصلاح المؤسسة، وخطاب يستهدف هدم الثقة فيها، والتمييز بين الاثنين يحتاج إلى إعلام مهنى، ومؤسسات شفافة، ومواطن قادر على التفكير، وليس إلى إسكات المجال العام.

لهذا أعتقد أن القيمة الحقيقية لهذا الاجتماع لن تُقاس بعدد الصور التى خرجت منه، ولا بحجم التغطية الإعلامية، وإنما بما إذا كان سيتحول إلى نظام دائم للاتصال بين الدولة والمجتمع المحلى، إذا أصبح العمدة ناقلًا حقيقيًا لمشكلات قريته، وأصبح صانع القرار قادرًا على سماعها مباشرة، وإذا تحولت الاجتماعات إلى سياسات قابلة للقياس والمتابعة، فنحن أمام تغيير فى طريقة إدارة العلاقة بين المركز والأطراف، أما إذا بقى اللقاء مناسبة استثنائية تنتهى بانتهاء اليوم، فسوف تظل دلالته الرمزية أكبر من أثره العملى.

وهنا تحديدًا تكمن المسألة كلها، مصر أمام مجتمع واسع، متنوع، سريع التغير، يتعرض يوميًا لعشرات مصادر المعلومات والتأثير، لا يمكن إدارة هذا المجتمع بمنطق أن المركز يعرف كل شىء والأطراف تنتظر التعليمات، الدولة الحديثة تحتاج إلى مركز قوى، لكنه يسمع أطرافه؛ ومجتمع يعرف حقوقه وواجباته، لكنه لا يتحول إلى جمهور مستهلك للشائعات. الرسالة الأعمق فى اجتماع الرئيس مع الوزراء والمحافظين وقادة الدولة والخبراء والعمد والمشايخ ليست أن الدولة تريد أن تتحدث مع الريف؛ بل أن الريف يجب أن يصبح جزءًا من عملية صناعة المعرفة الوطنية، لأن الدولة التى لا تسمع قراها لا تعرف نصف مجتمعها، والدولة التى لا تصل معلوماتها إلى كل قرية تترك نصف مجتمعها أمام مصادر أخرى لتفسير ما يحدث.

وفى النهاية، الأمن القومى لا يبدأ دائمًا عند الحدود، أحيانًا يبدأ من قرية صغيرة، من معلومة صحيحة تصل إلى أهلها فى الوقت المناسب، من مسؤول يحسن التعامل مع مواطنيه، ومن مواطن يعرف أن له دورًا فى حماية مجتمعه، ومن دولة تفهم أن أقوى جبهة داخلية ليست جبهة الخوف، وإنما جبهة المعرفة والثقة والمسؤولية المشتركة. وهذا هو الاختبار الحقيقى بعد هذا الاجتماع: هل يتحول التواصل إلى مؤسسة؟ وهل تتحول المعرفة إلى مشاركة؟ وهل تتحول الثقة إلى نتيجة للخدمة والشفافية لا إلى مجرد مطلب؟

GooglePlease follow us on Google to support us
لقد قمنا بتلخيص هذا الخبر حتى تتمكن من قراءته بسرعة. إذا كنت مهتمًا بالأخبار، يمكنك قراءة النص الكامل هنا. اقرأ أكثر:

akhbarelyom /  🏆 20. in EG

الأمن القومى حائط صد حرب السادس من أكتوبر المواجهات العسكرية

 

مصر أحدث الأخبار, مصر عناوين