السؤال اليوم لم يعد «من نحن؟» بقدر ما بات السؤال الملح هو: «كيف نحافظ على نحن؟».. أى كيف نصون هويتنا الوطنية - بكل تنوعها وثرائها - من التزييف والطمس والتشويه؟
بعد تعرضهما لحادث.. رئيس أكاديمية الفنون تطمئن على طالبي المعهد العالي للموسيقى العربيةالسؤال اليوم لم يعد «من نحن؟ » بقدر ما بات السؤال الملح هو: «كيف نحافظ على نحن؟
».. أى كيف نصون هويتنا الوطنية - بكل تنوعها وثرائها - من التزييف والطمس والتشويه؟ فى القرن الخامس عشر قبل الميلاد، وعندما كانت الإمبراطورية المصرية تخوض معارك الوجود على أطرافها الشمالية والشرقية، أدرك القائد المصرى العظيم تحتمس الثالث أن حماية القلاع والحدود العسكرية لا تكفى وحدها لتأمين الإمبراطورية ما لم تُحصن العقول.
ويروى التاريخ العسكرى المصرى القديم أنه بعد انتصاره فى معركة «مجدو» الشهيرة، لم يكتفِ بتأمين الطرق وتعيين الحكام، بل أمر بإحضار أبناء وأمراء الممالك المهزومة إلى طيبة ليتعلموا فى المعاهد المصرية. لم يكن الهدف غسيل أدمغة، بل كان إدماجًا لهؤلاء الشباب فى «بنية الهوية والثقافة المصرية»، ليعودوا إلى بلادهم مشبعين بقيم الحضارة النهرية المستقرة، فكانت الهوية هنا هى السلاح الإستراتيجى الأقوى الذى حول الخصوم إلى امتداد ثقافى وحضارى للدولة المصرية، ودرع متقدم للدفاع عن أمنها ومصالحها.
إن هذا الإرث التاريخى يؤكد حقيقة خالدة نغفل عنها أحيانًا فى ظل الانغماس فى تفاصيل الحياة اليومية وتقلبات التاريخ المتواصلة، هذه الحقيقة مفادها أنه على مر العصور، لم تكن الهوية المصرية مجرد بطاقة تعريف أو سمة حضارية تميز شعبًا يقطن ضفاف النيل، بل كانت- فى جوهرها- الدعامة الإستراتيجية الأولى التى حفظت للدولة المصرية مركزيتها واستمراريتها كأقدم دولة نظامية فى التاريخ البشرى. إن مصر، بعبقرية مكانها كما صاغها جمال حمدان، وبتراكم طبقاتها الحضارية ، تمثل سبيكة فريدة عصية على التفتيت إذا ما حُفظت عناصرها فى حالة توازن.
ومع صمود هذه الحقيقة التاريخية لقرون طويلة، ومع دخول مصر العديد من المنعطفات التاريخية الفاصلة، وتوازى الثقافات فى مكونها الحضارى بالغ العمق والثراء، راق لبعض المفكرين أن يطرحوا سؤالًا فلسفيًا تنوعت وتعددت محاولات واجتهادات الإجابة عليه، وهو سؤال من نحن؟ هل نحن عرب أم أفارقة أم من شعوب البحر المتوسط، أم نحن امتداد للحضارة المصرية القديمة، أم أن سنوات الهيمنة فى عصر الإمبراطوريات القديمة من اليونانيين إلى الرومان مرورًا بالفرس وحتى الفتح العربى الإسلامى قد غيرت هويتنا، أم أن الهوية المصرية صارت خليطًا من كل ذلك؟
ودون التعمق فى طرح تلك الاجتهادات الفكرية والفلسفية، إلا أننى أرى أن السؤال اليوم لم يعد «من نحن؟ » بقدر ما بات السؤال الملح هو: «كيف نحافظ على نحن؟ ».. أى كيف نصون هويتنا الوطنية - بكل تنوعها وثرائها - من التزييف والطمس والتشويه؟
لقد نقلت التحولات الراهنة التى تعصف بالعالم وبالمجتمع المحلى سؤال الهوية من فضاء الفلسفة والنقاش النخبوى حول «من نحن؟ » إلى مربع التخطيط الإستراتيجى والحفاظ على الأمن القومى، فالوعى بالهوية الوطنية فضلًا عن الحفاظ عليها، بات هو العنصر الحاسم فى الحفاظ على الأوطان اليوم، فى ظل عمليات استهداف لم تعد تستهدف الحدود بقدر ما تستهدف العقول لتهديد الوجود.
لم تعد الهوية - إذن - ترفًا فكريًا، بل غدت خط الدفاع الأول والعمق الإستراتيجى لحماية تماسك الدولة الوطنية فى مواجهة مهددات ثلاثية الأبعاد: تحولات داخلية بنيوية، وتغريب وافد تغذيه أدوات السيولة الرقمية، ومشاريع أيديولوجية عابرة للحدود حاولت طمس الشخصية المصرية لحساب أوهام بالهيمنة الدينية وأحلام زائفة تحت شعار «أستاذية العالم».
من هنا تأتى أهمية المؤتمر الوطنى الموسع للهوية الوطنية: جذور راسخة ورؤية متجددة، الذى استضافته مكتبة الإسكندرية الأسبوع الماضى تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسى، وبمشاركة نخبة من المفكرين والوزراء والمئات من ممثلى الشباب من كافة المحافظات، وقد كان لى حظ المشاركة فيه، والتحدث فى إحدى جلساته، لأجد أن قضية الهوية بالفعل لم تعد مقتصرة على نقاشات المثقفين، بل باتت همًا يوميًا نعيشه فى بيوتنا ومع أولادنا كل صباح دون أن ندرى أن ما يدور حول عقولهم الصغيرة أكبر وأخطر مما نتصور، وأن تعزيز الهوية الوطنية لم يعد رفاهية، بل أصبح واجبًا حتميًا للحفاظ على الوطن.
لم يعد مجديًا اليوم الاكتفاء بالتغنى بالماضى والافتخار بالحضارة القديمة، فالماضى لا يحمى الحاضر ما لم يتحول إلى رؤية حية للمستقبل، وهو ما سعى المؤتمر والنقاش الفكرى الجاد فى مختلف جلساته وحتى خارج الجلسات إلى تحقيقه، بالانتقال من تشخيص الأزمة إلى مسارات تطبيقية فعلية عبر إطلاقه «وثيقة مكتبة الإسكندرية للهوية الوطنية»، وهى بمثابة دستور ثقافى يهدف إلى صياغة برامج تشارك فيها مؤسسات الدولة والمجتمع المدنى لتحويل الهوية إلى جدار حماية صلب ضد الاختراقات الفكرية والتحديات الرقمية المعاصرة. ومن خلال فهمى لقضية الهوية وأهميتها، أستطيع الوقوف على مجموعة من الحقائق التى تعزز إدراكنا الجماعى لقضية الهوية، وأبعادها المتعددة، والإجابة على تساؤل قد يطرأ على أذهان البعض منا وهو: هل هويتنا حقًا فى خطر؟
وما فائدة طرح هذه القضية فى هذا التوقيت الذى قد يرى البعض أن ثمة قضايا حياتية أكثر إلحاحًا تستحق أن تحتل أولوية النقاش المجتمعى؟ والحقيقة أن كلا السؤالين مشروعان، والإجابة عليهما تقتضى رد الأمر إلى فهم أن الأمن القومى فى المفهوم الإستراتيجى المعاصر لم يعد يقتصر على حماية الحدود الجغرافية والردع العسكرى فحسب، بل يمتد ليشمل «الأمن الثقافى والمجتمعى» الذى يحمى شبكة العلاقات والقيم التى تربط المواطن بالدولة وبالأرض.
وبالتالى فإن الهوية المصرية هى صمام الأمان الذى يحول دون حدوث الانكشاف الإستراتيجى، ذلك أن غياب سردية وطنية جامعة وموحدة يجعل المجتمع عرضة للاستقطاب الحاد، ويهيئ البيئة الخصبة للتدخلات الخارجية، ويسهل عمليات التجنيد الأيديولوجى العابر للحدود. لذا فإن استشعار الخطر أمر محمود والتعامل مع صلب المشكلات وجذورها، يجعلنا أكثر قدرة على حلها، ومن ثم أكثر فهمًا ومناعة ونحن نتعامل مع القضايا الحياتية التى لا ينبغى أن تغيب عن أجندة النقاش العام، بل الأهم أن توضع فى سياقها الصحيح، وساعتها سيكون فهمنا لها أفضل، وقدرتنا على معالجتها أكثر فعالية.
إن الدولة المصرية تاريخيًا لم تسقط إلا عندما كانت تضعف جبهتها الداخلية أو تتشظى هويتها الجامعة، وبالتالى، فإن الحفاظ على أصالة هذه الهوية ليس ترفًا أو قضية ثانوية، بل هو ضرورة وجودية لضمان التماسك الاجتماعى، وهو المحرك الأساسى لغرس قيم الانتماء والتضحية والمواطنة، والتى بدونها تفقد أى عقيدة وطنية أو مشروعات تنموية ركيزتها البشرية الصلبة.
هذا فضلًا عن أن إدراكنا لحقائق ما تعرض له المجتمع المصرى من تحولات ديموغرافية واقتصادية وانتقالات سياسية متسارعة وما أحدثته من شروخ فى منظومة القيم التقليدية، يجعلنا نعيد التأكيد على أهمية استعادة مكون الهوية الوطنية باعتباره الأساس الصلب الذى تقوم عليه فكرة الانتماء، ومن ثم استيعاب كل الطاقات وتوظيفها لخدمة مسار وطنى جاد وإصلاح حقيقى لا يقتصر على النزول من القمة إلى قاعدة الهرم السكانى، بل يشمل أيضًا تلك القاعدة العريضة التى تعرضت لكثير من المتغيرات العميقة.
لقد أدت الهجرة الريفية الواسعة نحو المدن دون استيعاب ثقافى كافٍ، إلى جانب نمو العشوائيات فى عقود سابقة، إلى خلق بيئات اجتماعية هجينة ومأزومة ثقافيًا، هذه البيئات عانت من التهميش الثقافى، مما جعلها لقمة سائغة لخطابات بديلة غريبة عن الوسطية المصرية المقترنة بالتدين الشعبى السمح المرتبط بالأرض والإنتاج والاحتفاء بالحياة.
ترافق ذلك مع تراجع دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية التقليدية كالأسرة والمدرسة، والجامعة، وقصور الثقافة، ودور العبادة، لصالح قيم مادية واستهلاكية أضعفت الرابط الثقافى المشترك بين الطبقات الاجتماعية المختلفة، وهذا التفاوت لم يعد تفاوتًا فى الدخل فحسب، بل غدا تفاوتًا فى «الهوية المعيشية»، حيث تعيش بعض الفئات فى جزر معزولة تبنى هويتها الخاصة بعيدًا عن المشترك الوطنى، وبات البعض يميل إلى تقسيم المجتمع بصورة حدية بين «مصر» وبين «إيجيبت»، وهذا التقسيم بحد ذاته يعزز فكرة الانقسام والطبقية ويهدد مفهوم التماسك الاجتماعى الذى تقتضيه أية تجربة تنموية وطنية تبتغى النهوض والبناء.
أضف إلى ذلك ما يمكن أن نسوقه ونراه جميعًا فى محيطنا الاجتماعى من تحولات فى طبيعة الشخصية المصرية، وأولوياتها القيمية فى مرحلة ما بعد 2011، وهى مسألة يراها علماء الاجتماع مسألة طبيعية ومعتادة فى أعقاب فترات الاضطراب والتحولات السياسية والاجتماعية، لكن غير الطبيعى أو المعتاد أن نستسلم للتحولات السلبية دون محاولة لإعادة ترميم الشروخ الاجتماعية التى قد تنال من صلابة جدار التماسك الاجتماعى، وهنا تبرز أهمية إعادة الاعتبار لقيم الهوية الوطنية، وتمسكنا بها كأساس تقوم عليه كل طبقات التماسك الاجتماعى اللاحقة.
الأمر كذلك لا يقتصر على المتغيرات الداخلية التى عرفتها مصر على مدى العقود الماضية، بل يتزامن التحدى مع مهددات وافدة، لا نملك باعتبارنا جزءًا من العالم إلا التعامل معها، إذ يواجه العقل والوجدان المصرى اليوم تدفقًا جارفًا للمعلومات والأفكار معتمدًا على أدوات إعلامية ورقمية فائقة القدرة على الاختراق، وبعيدة عن أدوات السيطرة والانتقاء القديمة. ولم تعد منصات مجرد قنوات للتواصل، بل أصبحت «فضاءات لإعادة الهندسة الاجتماعية والوجدانية»، تعمل وفق خوارزميات مصممة لتفكيك السرديات الوطنية الكبرى وإحلال الهويات الصغيرة أو كما يعرفها علم الاجتماع بـ محلها، فيصبح الانتماء إلى طبقة أو مذهب أو أيديولوجية بديلًا عن الانتماء الوطنى!!
ويتجلى هذا التهديد - من وجهة نظرى - فى مظهرين خطيرين، أولهما التغريب اللغوى والثقافى، حيث ينشأ جيل جديد يعانى من «الاغتراب اللغوى»، مستخدمًا لغة هجينة تفصله عن تاريخه وآدابه الوطنية، ومتبنيًا لأنساق قيمية غربية وافدة تُفرض باعتبارها المعيار الوحيد للحداثة والتقدم، وهى أنساق تتصادم فى كثير من الأحيان مع خصوصية المجتمع المصرى وبنيته الأخلاقية. ومن هنا لا بد أن نشيد بتوجه الدولة لفرض مواد الهوية على مختلف مستويات وأشكال التعليم فى الدولة، ليس باعتبارها «عقابًا» أو «تنميطًا» للتعليم كما يحاول أن يصور البعض، بل باعتبارها أساسًا لبناء هوية وطنية جامعة بين أجيال تعيش تحت مظلة وطن واحد برموز وهوية مشتركة، لا ينبغى أن تفرقها الطبقة الاقتصادية أو أنماط التعليم المتعددة.
أما مظهر الخطر الثانى فيتمثل فى سيولة الحقيقة وتزييف الوعى، إذ تسهل السوشيال ميديا عمليات «الهندسة العكسية للتاريخ»، من خلال نشر سرديات كاذبة ومجتزأة تهدف إلى تشكيك المصريين فى منجزاتهم التاريخية وقدراتهم الذاتية، وصناعة حالة من الإحباط المزمن والعدمية التى تفكك الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته، وهنا يصبح ذلك المواطن تربة خصبة للاستهداف والاستقطاب، وملء فراغ الهوية الوطنية بداخله بهويات بديلة. وهنا أجدنى مضطرًا إلى التطرق لواحد من أخطر مشاريع خلق «الهوية البديلة»، فإذا كان التغريب يمثل تهديدًا ناعمًا، فإن مشروع «التأسلم السياسى» تمثل تهديدًا خشنًا، إقصائيًا، وممنهجًا يستهدف اجتثاث الهوية المصرية من جذورها التاريخية.
وقد انطلق هذا المشروع من رؤية أيديولوجية ترى فى «الوطن» مجرد «حفنة من تراب عفن» وفق تعبير منظرى هذا التيار الذى حاول تأسيس رؤيته الأيديولوجية على فكرة الصراع والتناقض بين «الانتماء الوطنى» وبين «الانتماء الديني»، واعتمد فى سبيل ذلك على إدعاء أن الدولة الوطنية مجرد كيان وظيفى مؤقت يجب تذويبه لصالح ما يسمى بـ «الأممية الإسلامية» أو «الخلافة المتخيلة»، متجاهلًا الكثير من الحقائق التى لا تفرق بين حب الوطن وبين الانتماء الديني، فضلًا عن اتخاذ فكرة «الخلافة» كحلم رومانسى يدغدغ المشاعر ويتجاوز الحقيقة التاريخية التى تؤكد أن تلك الخلافة لم تعرفها الدولة الإسلامية سوى لبضع سنوات فى تاريخ ممتد لما يقرب من 1500 عام!
لقد اتبع مشروع التأسلم السياسى إستراتيجية خبيثة لطمس الهوية المصرية عبر مستويات عدة، من بينها تزييف وتقزيم التاريخ المصرى عبر اختزال سبعة آلاف سنة من الحضارة والتراكم المعرفى فى حقبة زمنية واحدة، ووصم ما قبلها بـ «الجاهلية» أو «الكفر»، وهى محاولة واعية لقطع صلة المصرى بجذوره الفرعونية والقبطية التى تشكل عمق أصالته وتميزه. كما عمد هذا المشروع الإقصائى إلى احتقار الخصوصية الثقافية من خلال محاربة الفنون، والآداب، والموسيقى، والعادات والتقاليد الشعبية المصرية، وإحلال ثقافة متزمتة وافدة ومغتربة عن طبيعة الشخصية المصرية النهرية المستقرة والمحبة للجمال والتعايش، هذا فضلًا عن مساعيه - التى لم ولن تهدأ- لضرب الشراكة المصيرية بين مسلمى مصر وأقباطها، وهى الركيزة الأساسية لوحدة الدولة وبقائها.
إن ثورة الشعب المصرى فى 30 يونيو 2013 لم تكن ثورة على فشل سياسى أو اقتصادى فحسب لهذا التيار المتأسلم، بل كانت فى جوهرها «ثورة دفاع عن الذات المصرية» واستردادًا للهوية الوطنية المنهوبة من براثن التشويه والتزييف الممنهج، وهنا ومجددًا يجب التأكيد على أن قضية الهوية ليست ترفًا فكريًا، بل كانت - كما ظلت طيلة العصور - صمام الأمان الذى حفظ لمصر وجودها وبقاءها فى لحظة اختيار فارقة. وغير بعيد عن مشروع «التأسلم السياسى» كمهدد للهوية الوطنية، يقف الفضاء الإلكترونى، فقد كان ذلك الفضاء - ولا يزال - أداة مؤثرة فى يد كل مشاريع الاستقطاب والتشويه والتضليل أيًا كانت مرجعيتها، ومهما اختلفت أهدافها.
والإجابة الحقيقية على سؤال «كيف نحمى هويتنا الوطنية من التشويه فى العصر الرقمى؟ تستلزم التوقف عن الحلول الدفاعية التقليدية والانتقال إلى مرحلة «المبادرة الهجومية الرقمية» والسيادة السيبرانية الثقافية، وبخاصة لدى قطاع الشباب الذين يمثلون المستهدف الأول والكتلة الحرجة فى هذه المعركة الفكرية.
نعم، نحن بحاجة إلى استراتيجية رقمية هجومية، لا نكون فيها رد فعل على الهجمات المتواصلة على هويتنا ليل نهار، بل أن تكون لدينا القدرة على صناعة محتوى وطنى يعتمد على تعزيز عناصر السيادة والهوية الوطنية، فمن المؤكد أنه لا يمكن حظر منصات التواصل، بل يجب احتلال الفضاء الرقمى بمحتوى وطنى جاذب وعالى الاحترافية. يتطلب ذلك رعاية الدولة لجيل من «صنّاع المحتوى من الشباب» وتزويدهم بالمعلومات الموثقة لإعادة تقديم التاريخ الرمزى والثقافى المصرى عبر وسائط تفاعلية حديثة .
كما تتطلب هذه الاستراتيجية تعزيز دور مؤسسات الإعلام الوطنية، وتدعيم قدراتها البشرية والتقنية على إنتاج محتوى جاذب وقيمى فى الوقت ذاته، بعيدًا عما تقوم به مؤسسات إعلامية عديدة من تشويه - عن وعى أو بعدم وعى- لعناصر الهوية الوطنية بحثًا عن انتشار عبر «ركوب التريند» حتى لو كان الثمن هو الانتقاص من الشخصية المصرية أو السخرية منها أو «صناعة التفاهة» كوسيلة للانتشار!! إن تفكيك روايات الوعى الزائف والتأسلم السياسى لا يتم بالخطابات الجافة أو محتوى النصائح الأبوية لجيل لم يعد يكترث بتلك الأدوات القديمة، ولا يناسبه خطاب «يجب وينبغى»، بل يحتاج إلى سردية مرئية رشيقة تفند الكذب بالحقائق التاريخية الموثقة بلغة العصر، وبأسلوبه المباشر وغير التقليدى.
ولعل من الأدوات التى يمكن اعتمادها لمواجهة التشويه الرقمى للهوية الوطنية، هو تمصير تقنيات الذكاء الاصطناعى وبنوك المعرفة الرقمية، وقد كان ذلك من أهم الموضوعات التى تناولها النقاش العلمى فى مؤتمر مكتبة الإسكندرية وتصدر التوصيات، فمن يغذى الذكاء الاصطناعى اليوم بالحقائق والمعلومات هو من سيتحكم غدًا فى اللغة والأفكار، وهنا تبرز الحاجة إلى إنشاء «بنك رقمى شامل للهوية والمعارف والمأثورات الشعبية المصرية» لتوثيق التراث المادى وغير المادى لكافة المحافظات.
وبالتوازى، يجب العمل على تدريب نماذج الذكاء الاصطناعى التوليدى واللغوى بمعطيات مستقاة من أصول الفكر والتاريخ واللغة المصرية لضمان ألا تخضع عقول الشباب لخوارزميات غربية موجهة أو أيديولوجيات متطرفة تعيد هندسة وعيهم الثقافى، وأتصور أن الدولة انتبهت مبكرًا لذلك، وهناك مشروعات وطنية جادة لبناء أول نموذج لغوى وطنى ضخم سيادى مخصص للغة العربية، وهو نموذج «كرنك» المصنوع بالكامل فى مصر، وتم تطويره بعقول وخبرات مصرية، وأُعلن عنه رسميًا فى فبراير الماضى ليكون ركيزة أساسية ضمن الإستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعى 2030، ويهدف المشروع بشكل أساسى إلى تعزيز السيادة الرقمية لمصر وسد الفجوة الكبيرة التى تعانى منها تكنولوجيا الذكاء الاصطناعى العالمية فى فهم وتفسير النصوص والسياق الثقافى العربى بلهجاته المحلية.
ولا ينبغى أن نغفل فى هذا السياق الألعاب الإلكترونية الوطنية والدراما الرقمية، فتلك الألعاب الإلكترونية باتت تمثل المساحة الأكثر خطورة لتشكيل وجدان المراهقين والشباب، ويمكن عبرها غرس قيم الأمن القومى، وذلك من خلال تقديم معارك الجيش المصرى عبر التاريخ، أو بطولات التحرير، أو الأساطير الفرعونية والقبطية والإسلامية الملهمة، لربط الشباب وجدانيًا وذهنيًا برمزية الانتصار والمواطنة بدلًا من استهلاك ألعاب تكرس العنف أو الاغتراب الثقافى. ختامًا، فإن التحديات الراهنة، على ضراوتها، تمثل فرصة تاريخية لإعادة صياغة وعينا القومى، وإعادة اكتشاف «سبيكة» الهوية الوطنية وتطهيرها من الشوائب التى علقت بها جراء عقود من الاستهداف الممنهج، وإعادة تقديمها بطريقة ولغة عصرية لأجيال هى أحوج ما تكون لمعرفة هويتها، وتعزيز انتمائها لتلك الهوية الوطنية.
والحفاظ على «نحن» ليس مجرد دفاع عن الماضى، بل هو صناعة واعية للمستقبل، وإدراك عميق بأن الأمن القومى المصرى يبدأ من تحصين العقل والوجدان، فعندما تظل الهوية المصرية حية، فتية، حاضرة، تظل الدولة المصرية حرة، أبية، وعصية على الانكسار أمام أى عواصف وافدة أو مهددات عابرة، فمصر دائمًا أكبر من محاولات مسخها، وأعمق من خطط طمسها، وهى باقية ما بقى النيل وشعبها العظيم، مخلصًا لوطنه، ومتمسكًا بهويته التى تحصن بها فى وجه كل محاولات الاحتلال والتشويه.
