لا تمثل ظاهرة الحفر والتنقيب خلسة عن الآثار المصرية مجرد مخالفة قانونية تستهدف العثور على قطع أثرية، وإنما تُعد تهديدًا مباشرًا للتراث الحضاري، لما تسببه من تدمير للمواقع الأثرية وفقدان للسياق التاريخي والعلمي للمكتشفات، لأن القيمة الحقيقية للأثر لا تكمن في مادته أو شكله فقط، بل في موقع العثور عليه والبيانات المرتبطة به وعلاقته بالبيئة الأثرية...
المصرية مجرد مخالفة قانونية تستهدف العثور على قطع أثرية ، وإنما تُعد تهديدًا مباشرًا للتراث الحضاري، لما تسببه من تدمير للمواقع الأثرية وفقدان للسياق التاريخي والعلمي للمكتشفات، لأن القيمة الحقيقية للأثر لا تكمن في مادته أو شكله فقط، بل في موقع العثور عليه والبيانات المرتبطة به وعلاقته بالبيئة الأثرية المحيطة، وهي عناصر يصعب استعادتها بعد أعمال الحفر العشوائي.
وتعيد واقعة ضبط مجموعة كبيرة من القطع الأثرية في محافظة المنيا، تسليط الضوء على تحديات حماية التراث المصري، بدءًا من تأمين المواقع وتسجيل المقتنيات، مرورًا بمواجهة الاتجار غير المشروع، وصولًا إلى الحد من احتمالات تهريب القطع إلى خارج البلاد. كما يطرح الجدل المرتبط بتفسير مفهوم «الركاز» في الفقه الإسلامي أهمية الفصل بين الاجتهادات الدينية وبين الإطار القانوني والعلمي المنظم للتنقيب عن الآثار، بما يضمن عدم توظيف تفسيرات غير دقيقة لتبرير أنشطة غير مشروعة، ومن هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة متكاملة تجمع بين الحماية الأمنية، والتشريعات الرادعة، والتوثيق الأثري، والتوعية المجتمعية، بما يحافظ على الآثار المصرية بوصفها جزءًا من سياق حضاري متكامل، وليس مجرد مقتنيات قابلة للاكتشاف أو التداول.
حذر الدكتور عبد الرحيم ريحان، مدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، من خطورة أعمال الحفر و، مؤكدًا أن ما ينتج عنها يمثل إهدارًا للتاريخ والحضارة المصرية، فضلًا عن احتمالية تهريب القطع المكتشفة وبيعها خارج البلاد. وجاءت تصريحات ريحان في ضوء ضبط متحف آثار متكامل بحوزة أحد الأشخاص في محافظة المنيا، يضم 151 قطعة أثرية متنوعة، بينها تابوتان، و37 تمثالًا من الحجر الجيري والبرونز والفيانس، وقاعدة تمثال، وتميمة، و3 أوانٍ، وقنينة من الفخار، بالإضافة إلى 97 عملة معدنية.
وأوضح الدكتور عبد الرحيم ريحان أن انتشار أعمال الحفر خلسة يرتبط، بحسب تقديره، برغبة البعض في تحقيق الثراء السريع، مطالبًا بتحرك عاجل للحد من هذه الظاهرة من خلال تعزيز إجراءات تأمين المواقع والمناطق الأثرية، وزيادة أعمال الحراسة والدوريات الأمنية. وأشار إلى أهمية الإسراع في تسجيل المواقع والمقتنيات الأثرية، معتبرًا أن الحفر غير المشروع لا يمثل مجرد اعتداء على موقع أثري، وإنما يؤدي إلى فقدان السياق الأثري للقطعة، وهو ما يؤثر على القيمة العلمية والتاريخية للمكتشفات.
وتحدث ريحان عن انتشار ما وصفه بـ"فتاوى شيوخ التنقيب عن الآثار"، والتي ربطت بعض المكتشفات الأثرية بمفهوم"الركاز"، معتبرًا أن هذه التفسيرات ساهمت في تشجيع بعض الراغبين في البحث عن الكنوز. وأوضح أن مفهوم"الركاز" في الفقه الإسلامي يرتبط بما يُعثر عليه مدفونًا من أموال الجاهلية، بينما يرى أن الآثار مفهوم أوسع ويشمل مقتنيات تنتمي إلى عصور تاريخية مختلفة، بما فيها العصور الإسلامية.
وأكد أهمية وجود توضيح ديني واضح يفرق بين مفهوم الركاز وبين الآثار والممتلكات الثقافية، بما يسهم في مواجهة التفسيرات التي قد يستغلها البعض لتبرير التنقيب غير المشروع. وطالب خبير الآثار بتعزيز الإجراءات الرادعة لمواجهة أعمال الحفر غير المشروع، إلى جانب توفير حماية أكبر لمن يقومون بالإبلاغ عن هذه الأنشطة، مع طرح حوافز تشجع المواطنين على الإبلاغ عن أي أعمال تنقيب غير قانونية.
كما دعا إلى وضع إطار قانوني واضح للتعامل مع المجموعات والمقتنيات الأثرية الخاصة، بما يضمن تسجيل القطع التي تستوفي شروط التسجيل وإخضاعها للرقابة والإشراف المختص. والحفر خلسة، على أن تتوافر له المعدات والتقنيات اللازمة لرصد أعمال التنقيب غير المشروع وملاحقتها، مع تعزيز التعاون بين الجهات المعنية لحماية المواقع الأثرية. وأشار الدكتور عبد الرحيم ريحان إلى أن إحدى أخطر نتائج الحفر غير المشروع تتمثل في فقدان السياق الأثري للقطع المكتشفة، فضلًا عن إمكانية تهريبها وبيعها في الخارج.
وأوضح أن توثيق القطع الأثرية وتسجيلها يمثلان عنصرين مهمين في جهود إثبات ملكية مصر للمقتنيات التي تظهر في الخارج، مؤكدًا أن فقدان بيانات القطعة ومصدرها الأثري يمكن أن يمثل تحديًا أمام جهود استردادها. تخضع للجهة الأثرية المختصة، ولا يجوز للأفراد القيام بأعمال الحفر بهدف البحث عن الآثار دون الحصول على التراخيص اللازمة.
أشار إلى أن أعمال التنقيب الأثري تتم وفق ضوابط قانونية وعلمية، وأن الجهات والبعثات التي يسمح لها بالبحث والتنقيب تخضع لشروط تتعلق بالكفاءة العلمية والفنية والمالية والخبرة الأثرية، مع الالتزام بالقواعد المنظمة للعمل الأثري والنشر العلمي للنتائج. ولفت خبير الآثار إلى أن التشريعات المصرية تتضمن عقوبات على أعمال الحفر والتنقيب غير المشروع بهدف الحصول على الآثار، إلى جانب العقوبات المرتبطة باستخدام الأدوات والأجهزة في أعمال التنقيب المخالفة، وما يترتب على ذلك من إجراءات قانونية ومصادرة للأدوات المستخدمة وفقًا للقانون.
وشدد ريحان على أن مواجهة الحفر خلسة تتطلب تكامل الجهود بين الجهات الأثرية والأمنية والتشريعية والدينية، إلى جانب رفع وعي المواطنين بخطورة الاتجار في الآثار والتنقيب عنها خارج الإطار القانوني. لا يرتبط بحماية القطع الأثرية وحدها، وإنما بالحفاظ على المواقع والسياقات التاريخية التي تمنح هذه المكتشفات قيمتها العلمية والحضارية.
الفقه الإسلامي قطع أثرية تهريب الآثار
