د. أسامة السعيد يكتب: أخوة كاملة عقيدة مصر السياسية وحتمية الأمن القومى العربى

الأمن القومى العربى أخبار

د. أسامة السعيد يكتب: أخوة كاملة عقيدة مصر السياسية وحتمية الأمن القومى العربى
أسامة السعيد, المنظومة الإقليمية, د. أسامة السعيد

المنطقة لا تمتلك رفاهية إضاعة الوقت، وطبول الحرب المدوية فى أسماع الشرق الأوسط لا تمنح الأطراف الفاعلة فرصة للراحة أو الارتكان إلى الهدوء.

محافظ القليوبية يتابع تداعيات حريق مخزن مواد كيماوية بقرية سنديونالمنطقة اليوم أشبه بمنزل شب الحريق فى بعض غرفه فلا منطق فى أن يتصور البعض أن إغلاق باب غرفته عليه سينجيه وسط تلك الأمواج المتلاطمة تقف مصر كحجر الزاوية الذى يمنع انهيار المنظومة الإقليمية برمتها فهى القوة الأهم التى واجهت العواصف بصبر استراتيجى المنطقة لا تمتلك رفاهية إضاعة الوقت، وطبول الحرب المدوية فى أسماع الشرق الأوسط لا تمنح الأطراف الفاعلة فرصة للراحة أو الارتكان إلى الهدوء.

عندما حاول المفكر والعالم الكبير جمال حمدان أن يلخص شخصية مصر الاستراتيجية، استخدم وصفًا بليغًا، فقد كتب فى الفصل الخامس والعشرين من موسوعته الفريدة «شخصية مصر» أنه إذا كانت منطقة الشرق العربى هى خاصرة العالم القديم، فإن مصر بدورها هى «خاصرة الخاصرة»، أو كما وصفها بـ«عين القلب» حيث تجتمع فيها القارات الثلاث، وتفترق البحار الداخلية الهامة، ولذلك ليس من المغالاة ما ذهب البعض إليه فى وصفها بـ«عاصمة العالم الاستراتيجية».

أجدنى مضطرًا لاستعادة هذا الوصف وأنا أتابع تحركات القاهرة المكثفة خلال الأسابيع الأخيرة، وتحركاتها التى لا تهدأ فى اتجاهات العالم الأربع، من استقبال رئيس الصين، إلى المشاركة الفاعلة فى قمة بريكس بالهند، إلى قمم مصرية مع قادة وزعماء المنطقة، والتركيز على أهمية بناء رؤية عربية مشتركة لمواجهة التحديات الوجودية التى بات علينا أن نتصدى لها. فى كل تحرك ومع كل لقاء تحمل مصر الهم العربى، حتى فى إطار تحركاتها الدولية، فلا يمكن لمصر أن تنعزل عن محيطها، فالدائرة العربية هى الدائرة الأولى والأهم فى تحركنا الاستراتيجي، إننا لسنا مجرد جيران، بل نحن أمة واحدة يربطها مصير مشترك، وإذا أصاب أى عاصمة عربية مكروه، فإن صداه يتردد فى القاهرة قبل أى مكان آخر.

هذه العقيدة السياسية الثابتة للقاهرة، التى تجسدت ملامحها عبر تاريخ مصر الحديث، تمثل جوهر الرؤية الاستراتيجية المصرية تجاه أشقائها، وهذه الرؤية لم تكن يوما مجرد شعارات، بل كانت التزامًا مصريًا راسخًا ومواقف مصيرية صاغتها الجغرافيا، وعمدها التاريخ بالدم والتضحيات. من هذا المنطلق، يبرز مفهوم «الأخوة الكاملة» الذى تنتهجه الدولة المصرية، وهو التعبير الذى استخدمه بيان الرئاسة المصرية لوصف العلاقات المصرية السعودية خصوصا، والخليجية عموما، وهو أيضا المفهوم والوصف ذاته الذى يصلح لوصف علاقات مصر مع جميع الأشقاء العرب، وهى أخوة لا تقوم على المصالح العابرة، بل على وعى عميق بأن أمن الأمة العربية كلٌّ لا يتجزأ، وأن قوة الفرد من قوة المجموع.

والحقيقة أن الحاجة إلى تعزيز مفهوم «الأخوة الكاملة» يكتسب أهمية مضاعفة فى هذا التوقيت بالغ التعقيد، حيث يمر الشرق الأوسط بمنعطف استراتيجى هو الأخطر فى تاريخه المعاصر، وبين صراعات مسلحة تعصف بكيانات دول الجوار، وتدخلات إقليمية تسعى لإعادة هندسة المنطقة وفق مصالحها. وسط تلك الأمواج المتلاطمة، تقف مصر كحجر الزاوية ورمانة الميزان التى تمنع انهيار المنظومة الإقليمية برمتها، فهى القوة الإقليمية الأهم التى واجهت العواصف بصبر استراتيجى، ومزجت مواقفها دائما بين حماية حدودها وتأمين عمقها العربى دون مقايضة أو مساومة.

وإذا كان المفهوم النظرى لـ «الأخوة الكاملة» يحتاج إلى نموذج تطبيقى يبرهن على حركيته وقابليته للتنفيذ، فإن القمة المصرية السعودية الأخيرة التى عقدت فى القاهرة بين الرئيس عبد الفتاح السيسى وولى العهد السعودى الأمير محمد بن سلمان، تمثل التجسيد الحى والعملى لهذا الترابط الاستراتيجي. لقد جاءت هذه القمة فى توقيت حرج لتضع أسسا راسخة لمرحلة جديدة من العمل العربى المشترك، ولتبعث برسائل بالغة الدلالة والقوة إلى كل من يهمه الأمر فى الإقليم وخارجه.

أولى رسائل قمة القاهرة وأكثرها حسما، هى التأكيد المشترك على أن الأمن القومى لبلديهما هو «كل متكامل» لا يقبل التجزئة أو الانفصال، فقد جددت الدولة المصرية عبر هذه القمة موقفها الحازم بأن أمن المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربى هو عماد الأمن القومى المصرى، معلنة رفضها الكامل لأى اعتداءات أو تهديدات تستهدف الأراضى السعودية أو استقرارها.

هذا الموقف الصارم يعكس عقيدة دفاعية مصرية تتجاوز حدود الجغرافيا المباشرة لتطوق الأشقاء بسياج من الدعم والمساندة المطلقة فى مواجهة الظروف الإقليمية الراهنة، وينسجم مع الرؤية التاريخية لدوائر الأمن القومى المصرى التى تتجاوز الحدود السياسية لتنطلق عبر دوائر متسعة منذ زمن مصر القديمة وإلى اليوم، تحمى وتصون المصالح المصرية، دون تهديد لشقيق أو صديق، وفى الوقت ذاته دون تهاون فى مواجهة عدو أو التصدى لخطر محدق. رسائل القمة لم تقف كذلك عند حدود التضامن السياسى، بل غاصت فى عمق التحديات الجيوسياسية المشتعلة، حيث شهدت المباحثات توافقا تاما على ضرورة ضمان حرية وأمن الملاحة فى البحر الأحمر ومضيق باب المندب ومضيق هرمز، كأولوية استراتيجية مشتركة ترتبط مباشرة بحركة التجارة الدولية والسيادة العربية على الممرات المائية الحيوية.

ومن القاهرة، وجه «جناحا الأمة» رسالة صريحة بأن أى مخططات خارجية تسعى لفرض أمر واقع بالقوة أو إعادة تشكيل خريطة التوازنات فى المنطقة، ستتحطم أمام صخرة التنسيق المصرى السعودى المشترك، وأتصور أن هذه الرسالة ستكون لها أصداء قوية فى جنبات المنطقة، فبعض القوى الطامحة والطامعة فى المنطقة ربما تبنى حساباتها الضيقة على تباينات فى المواقف بين القوى الوازنة فى الإقليم فى بعض الملفات، لكن عندما يصل الأمر إلى جوهر اعتبارات الأمن القومى، فإن أية تباينات تذوب وتتلاشى لصالح الأولوية القصوى وهى التصدى للخطر الداهم الذى باتت تمثله بعض المشاريع الإقليمية غير العربية على واقع ومستقبل مصالح ومصائر شعوبنا العربية، وبخاصة فى الخليج وفى مدخل البحر الأحمر والقرن الإفريقى، وكذلك فى قلب العمق الاستراتيجى العربى، عبر مشاريع التهديد والتوسع الإسرائيلية فى الأراضى الفلسطينية ولبنان وسوريا.

نعم تبدو الخريطة العربية مثخنة بالجراح فى هذه اللحظة القاسية من تاريخها، والحرائق المندلعة على أكثر من صعيد تنبئ بأنها ستترك ندوبا غائرة فى الجسد العربى لسنوات طويلة قادمة، لكن القراءة الواعية والعميقة لمجريات ما يدور فى الإقليم ومن حوله لا بد أن تبصر أن كل ذلك بشكل أو بآخر يرتبط بالقضية المركزية، وبالجرح الخطر فى الجسد العربى، وأعنى هنا .. فلسطين.

القضية الفلسطينية تظل دائما هى الاختبار الحقيقى للمواقف، ومحور أى تحرك استراتيجى عربى، وهنا يتجلى تميز الموقف المصرى وحكمة الرؤية التى تجسدها القاهرة كقوة إقليمية لم تتاجر يوما بالمعاناة الفلسطينية، ولم تستخدمها كأوراق ضغط لتحقيق مكاسب ذاتية. بل لطالما تحملت مصر الضغوط الاقتصادية والسياسية الهائلة دفاعا عن حق الشعب الفلسطينى فى إقامة دولته المستقلة على خطوط الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

ووقفت القاهرة حائط صد منيعا أمام مؤامرة «التهجير القسرى» للفلسطينيين من قطاع غزة نحو سيناء، وكان الموقف المصرى، الذى سيسجله التاريخ لزعيم مصرى وقائد عربى مخلص هو الرئيس عبد الفتاح السيسى، حاسما عندما أكد بكلمات سيظل صداها يتردد عبر أسماع الزمن أن تفريغ الأرض من أصحابها «خط أحمر لن تسمح مصر بتجاوزه»، لأنه يعنى القضاء النهائى على القضية الفلسطينية. هذا الصمود المصرى، المدعوم بتنسيق وثيق وموقف عربى وإسلامى متناغم يتمسك بحل الدولتين، نجح فى قطع الطريق على السيناريوهات الخارجية التى استهدفت تدويل الأزمة أو تفتيت الهوية الوطنية الفلسطينية.

لكن ذلك لا يعنى أن الأزمة انتهت، أو أن الخطر زال، فمادامت العقلية الصهيونية التوسعية والأساطير اليمينية المتطرفة تحكم تل أبيب فإن الخطر لن يتلاشى، وعندما نسد فى مواجهته ثغرة، سيبحث عن ثغرات أخرى لينفذ منها، وللأسف فى ثوب القضية وهشاشة المنطقة ما يمنحه الذرائع لتحقيق مخططاته الشيطانية، وهناك أيضا من تخاذل العالم، ومن الدعم الأمريكى ما يكفى دائما لتمرير وتبرير الإجرام الإسرائيلى بحق الشعب الفلسطينى. وهنا تتجلى أهمية القمة المصرية الفلسطينية بين الرئيسين عبد الفتاح السيسى ومحمود عباس بعد ساعات قليلة من القمة المصرية السعودية، لتؤكد أن المنطقة لا تمتلك رفاهية إضاعة الوقت، وأن طبول الحرب المدوية فى أسماع الشرق الأوسط لا تمنح الأطراف الفاعلة فرصة للراحة أو الارتكان إلى الهدوء.

والحقيقة أن الانشغال المصرى بالقضية الفلسطينية يتجاوز اعتبارها قضية شعب شقيق، نؤمن بعدالة قضيته، بل هى قضية عقيدة بالنسبة لكل مصرى، والتاريخ شاهد على ما قدمه المصريون من تضحيات من أجل القضية الفلسطينية، وهم مستعدون لتقديم المزيد، لتبقى القضية حية، والصوت الفلسطينى حاضرا، والأمل فى بناء دولة على قيد الحياة. تمتد الرؤية المصرية لحماية الأمن القومى العربى لتشمل صياغة مقاربة حاسمة تجاه الأزمات المشتعلة فى دول الجوار مثل السودان، وليبيا، واليمن، وسوريا، وتتلخص هذه المقاربة فى ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية وجيوشها النظامية، والرفض القاطع لمساواة الجيوش الوطنية بالميليشيات المسلحة أو الكيانات الموازية، فالقاهرة تؤمن بأن انهيار المؤسسات الوطنية هو الثغرة الأساسية التى تنفذ منها القوى الخارجية لفرض وصايتها على القرار العربى.

وللأسف تغيب تلك الرؤية أحيانا عن البعض ممن يجدون أن تعاملهم مع الميلشيات أو دعمهم لفريق منشق فى مواجهة الدولة يمكن أن يمثل مصلحة فى لحظة ما، لكن الحقيقة التى يقدمها لنا التاريخ، وسيكتشفها أولئك الممسكون بخيوط الميلشيات والداعمون لهم فى نهاية الأمر، هى أن تلك الجماعات التى تبدو مثل «عرائس الماريونيت» ليست سوى «أفاعى» لا تعرف سوى الغدر، ولا تجيد إلا اللدغات حتى للأيادى التى تولت رعايتها وتغذيتها يوما ما!!

لقد ذاقت المنطقة - ولا تزال - الهوان والمُر على أيدى تلك الميلشيات التى استخدمت دائما كمخلب قط، تحركه أهواء ومصالح لا تبدو عربية حتى وإن تحدثت بلغة الضاد، وكانت تلك التنظيمات على اختلاف مذاهبها وأيديولوجياتها وأهدافها مجرد «حصان طروادة» لاختراق مجتمعاتنا العربية، لذا فقد آن الأوان أن تتخلص المنطقة من تلك الآفة اللعينة، فهى التى أشعلت الصراعات فى السودان ولبنان وليبيا ووضعت غزة والقضية الفلسطينية على حافة الهلاك، وها هى تنذر بمضاعفة تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية بمحاولة إغلاق باب المندب، لتكتمل حلقات خنق شرايين الملاحة حول المنطقة.

لذلك فإن العودة إلى التأكيد على ضرورة مساندة مؤسسات الدولة الوطنية، فى جميع الدول العربية، لم يعد خيارا أو موقفا يخضع لوجهات نظر، بل باتت «الدولة الوطنية» هى طوق النجاة الوحيد الباقى لتلك المنطقة المنكوبة بمشاريع التدخل الخارجية وأحصنة طروادة التى لا تتورع عن إحراق أوطانها من أجل حفنة دولارات أو حفنة شعارات!!

والمؤكد أن قطع الطريق على مخططات التدخل الخارجى لا يتم بالشجب والإدانة، بل ببناء كتلة عربية متماسكة سياسيا، وقوية عسكريا، ومتكاملة اقتصاديا، وأن يدرك الجميع أن فكرة النجاة الفردية هى اتجاه محتوم نحو الانتحار، فالمنطقة اليوم أشبه بمنزل شب الحريق فى بعض غرفه، فلا منطق فى أن يتصور البعض أن إغلاق باب غرفته عليه سينجيه من أن يطاله الحريق، بل سبيل النجاة هو أن يتكاتف الجميع من أجل المساعدة فى إطفاء ألسنة اللهب التى تحاصره، ساعتها يمكن الحديث عن فرصة حقيقية للنجاة.

وهذا بالضبط ما تفعله مصر فى كل مساعيها، من غزة إلى السودان ومن ليبيا إلى لبنان، ومن الخليج إلى اليمن، ومن سوريا إلى الصومال، هدفها الأهم هو تعزيز المناعة العربية وترميم جدار الصد العربى فى مواجهة أية محاولات لاختراق ذلك الجدار الذى نالت من الشقوق، وتوحيد الجهود لإعادة ترميمه فى زمن يراهن فيه البعض على أن انهيار جدار العمل العربى المشترك لم يعد سوى مسألة وقت! لا تبتغى مصر سوى حماية أمنها وتحقيق مصالح شعبها وكل الشعوب العربية وبناء جسور للتعاون مع مختلف قوى الإقليم والعالم، ليس لديها أطماع فى أحد، ولا تزايد بمواقفها على أحد، لكنها تسعى عبر دبلوماسية هادئة ولكنها فاعلة إلى أن يرى الجميع الأمور على حقيقتها، وألا تنساق المنطقة نحو مصير مجهول تكتبه أياد غير عربية.

اختارت مصر أن توفى دائما بمسئولياتها التاريخية، وأن تتخذ من مسار «الأخوة الكاملة» طريقا لا تحيد عنه رغم كل ما يتطلبه المضى على هذا الطريق من صبر وثبات استراتيجى يفسره البعض أحيانا بطريقة خاطئة أو مضللة. إلا أن القاهرة لم تكن يوما من تلك العواصم التى تنجر إلى استفزازات أو تهرول نحو الأضواء الزائفة، بل كانت دائما - وستبقى بحول الله - صاحبة رؤية وبصيرة نافذة، ولم تبحث عن مصلحتها على حساب استقرار الأشقاء، بل كانت ولا تزال الدعامة الصلبة التى يستند إليها البيت العربى وقت الأزمات.

فى عالم لا يعترف إلا بالأقوياء، تظل المقاربة المصرية-العربية المشتركة هى طوق النجاة الوحيد. إن حماية أمن الخليج، والدفاع عن عروبة فلسطين، وصون استقرار دول الجوار هى معارك وجودية تخوضها مصر برؤية واضحة وعزيمة لا تلين. وستظل القاهرة، كما كانت دائما، القلب النابض لأمتها، والقوة التى تقود سفينة الأمن القومى العربى نحو بر الأمان، متسلحة بوعى شعبها، وقوة جيشها، وعمق تحالفاتها الاستراتيجية مع أشقائها المخلصين.

GooglePlease follow us on Google to support us
لقد قمنا بتلخيص هذا الخبر حتى تتمكن من قراءته بسرعة. إذا كنت مهتمًا بالأخبار، يمكنك قراءة النص الكامل هنا. اقرأ أكثر:

akhbarelyom /  🏆 20. in EG

أسامة السعيد المنظومة الإقليمية د. أسامة السعيد التهجير القسرى خارج النص

 

مصر أحدث الأخبار, مصر عناوين