باقٍ أقل من أسبوعين على انطلاق الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، وأثناء مطالعة الملف الصحفي، توقفت أمام برنامج «عروض خاصة»، ليس باعتباره مساحة موازية للمسابقات الرسمية، وإنما لأنه يكشف جانبًا مهمًا من ذائقة المهرجان، فإذا كانت المسابقات تحدد ما يضعه مهرجان الجونة فى قلب المنافسة، فإن «عروض خاصة» يكشف ما يريد أن يضعه فى قلب المشاهدة.
رئيس البرلمان العربي: اقتحام المستوطنين للمسجد الأقصى تصعيد ممنهج لفرض واقع جديدباقٍ أقل من أسبوعين على انطلاق الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، وأثناء مطالعة الملف الصحفي، توقفت أمام برنامج «عروض خاصة»، ليس باعتباره مساحة موازية للمسابقات الرسمية، وإنما لأنه يكشف جانبًا مهمًا من ذائقة المهرجان، فإذا كانت المسابقات تحدد ما يضعه مهرجان الجونة فى قلب المنافسة، فإن «عروض خاصة» يكشف ما يريد أن يضعه فى قلب المشاهدة.
أفلام البرنامج لا يجمعها شكل أو لغة أو جغرافيا واحدة، وإنما اهتمام مشترك بالإنسان عندما يجد نفسه فى مواجهة واقع أكبر من قدرته على تغييره، هنا لا تأتى الحرب باعتبارها مشهدًا عسكريًا، ولا النزوح رقمًا فى ملف سياسي، ولا المنفى مجرد انتقال من بلد إلى آخر، وإنما باعتبارها تجارب تترك آثارها على تفاصيل الحياة، انتظار، فقد، عزلة، بحث عن الأمان، ومحاولة لاستعادة الإحساس بالحياة. يفتتح البرنامج فيلم «دلافين: لقاءات قريبة»، الذى يبدو بعيدًا عن ثيمة النزوح، لكنه يوسع مفهوم العلاقة بين الإنسان والعالم من حوله، قبل أن ينتقل البرنامج إلى مبادرة دعم أفلام النازحين، فيتحول الاهتمام من عرض الأفلام إلى منح مساحة لأصوات يصعب وصولها إلى المنصات الدولية.
فى فيلم «حلفاء فى المنفى» يصبح النزوح تجربة إنسانية تتقاطع مع الصداقة والذاكرة واستمرار الحكاية، بينما تنقل «مناوبة» تجربة امرأة أوكرانية انتقلت من الحياة المدنية إلى العسكرية، ليصبح التكيف مع الواقع الجديد جزءًا من صراعها الداخلي، أما محمد رسولوف فى «شعور بالماء»، فيحول المنفى إلى سؤال عن الهوية واللغة والمشاعر، عندما يجد الكاتب نفسه مضطرًا إلى إعادة اكتشاف ذاته فى بيئة جديدة، وفى «جيم أفغانى جدًا»، فبدلًا من إعادة إنتاج الصورة المعتادة لأفغانستان بوصفها بلد الحرب والقمع، تدخل الكاميرا صالة ألعاب مغلقة، حيث تحاول مجموعة من النساء اقتناص مساحة للحياة العادية، وهنا تحديدًا تتضح قيمة الاختيار، البحث عن الإنسان داخل المجتمعات التى اختزلتها الصورة الإعلامية فى الحرب والأزمات.
ما يجمع هذه الأفلام فى النهاية هو أن الجغرافيا تتغير، بينما يبقى السؤال واحدًا، ماذا يفعل الواقع بالإنسان؟ من البحر الأحمر إلى سوريا وأوكرانيا وإيران وأفغانستان، نرى أشخاصًا يحاولون الاحتفاظ بإنسانيتهم وسط ظروف تهدد هويتهم وذاكرتهم وحريتهم. لهذا تبدو أهمية «عروض خاصة» فى دورة الجونة التاسعة؛ فهو لا يضيف أفلامًا خارج المسابقة فحسب، وإنما يفتح نافذة على سينما تنظر إلى المنفى والنزوح والهوية من الداخل.
وكأن الجونة يطرح عبر هذا البرنامج سؤالًا يتجاوز الفيلم نفسه، ماذا تفعل السينما عندما يصبح الوطن مفقودًا، واللغة غريبة، والحرية محدودة، ولا يبقى للإنسان سوى أن يحكي؟
محمد قناوى مهرجان الجونة شعور بالماء
