في وقت تتزايد فيه التحديات التي تواجه المواقع الأثرية، بين مخاطر التغيرات المناخية والزحف العمراني والتنقيب غير المشروع، لم تعد حماية التراث المصري تقتصر على اكتشاف القطع الأثرية وترميمها، بل أصبحت معركة تعتمد على العلم والتكنولوجيا والتوثيق الدقيق.
مصر على رأس المجموعة الثانية ببطولة كأس الأمم الأفريقية لرجال الطائرة، بين مخاطر التغيرات المناخية والزحف العمراني والتنقيب غير المشروع، لذلك لم تعد حماية التراث المصري تقتصر على اكتشاف القطع الأثرية وترميمها، بل أصبحت معركة تعتمد على العلم والتكنولوجيا والتوثيق الدقيق.
ومن هنا تبرز أهمية إطلاق «مدرسة الحفائر للمبتدئين» في سقارة وأبو صير، باعتبارها خطوة تستهدف بناء جيل جديد من الأثريين القادرين على التعامل مع الموقع الأثري باعتباره سجلًا متكاملًا للتاريخ، وليس مجرد مساحة للبحث عن الكنوز. ويكشف حديث خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان عن اتساع مفهوم العمل الأثري خلال السنوات الأخيرة، ليشمل تقنيات المسح الجيوفيزيائي والتصوير ثلاثي الأبعاد ونظم المعلومات الجغرافية والذكاء الاصطناعي، إلى جانب أساليب التوثيق والحماية والترميم الوقائي، فكل طبقة ترابية، وقطعة فخار، وبقايا عظام أو نباتات، تحمل معلومات قد تكون أكثر أهمية من القيمة المادية للقطعة نفسها، لأن السياق الأثري هو المفتاح لفهم حياة المجتمعات القديمة وتطورها.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى حماية «السياق» التاريخي للمواقع، إذ إن خروج قطعة أثرية من موضعها الأصلي لا يعني فقدان قطعة من التراث فحسب، وإنما قد يؤدي إلى فقدان جزء من القصة التي ترويها، لذلك تتحولإلى مساحة لتدريب الأثريين على الإنقاذ والتوثيق والتحليل وإدارة المخاطر، بما يضمن أن تصل المعلومات المرتبطة بالآثار إلى الأجيال المقبلة. بنوك للهوية» باعتبارها خلاصة لفلسفة حماية التراث؛ فالآثار ليست مجرد مزارات سياحية، وإنما ذاكرة مادية تحفظ تفاصيل حياة الأجداد، وتدعم الانتماء والوعي بالتاريخ، كما تمثل موردًا اقتصاديًا مستدامًا يمكن أن تستفيد منه أجيال متعاقبة.
وأكد الدكتور عبد الرحيم ريحان، مدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، أن إطلاق «مدرسة الحفائر للمبتدئين» في منطقتي سقارة وأبو صير يمثل خطوة مهمة نحو تأهيل جيل جديد من مفتشي الآثار والكوادر المصرية المتخصصة في أعمال الحفائر والتنقيب والتسجيل والتوثيق، ومواكبة التطورات العلمية والتكنولوجية المتسارعة في مجال العمل الأثري. وكان الدكتور أحمد رحيمة، معاون وزير السياحة والآثار لتنمية الموارد البشرية والمشرف على وحدة التدريب المركزي بالوزارة، قد أعلن إطلاق مدرسة الحفائر للمبتدئين في سقارة وأبو صير، بهدف رفع كفاءة مفتشي الآثار وتنمية مهاراتهم الميدانية، بالتعاون مع عدد من الجهات العلمية المتخصصة.
وأوضح ريحان أن التدريب المتخصص من شأنه تعزيز قدرات الأثريين في مختلف المواقع الأثرية على مستوى الجمهورية، خاصة في مجالات التوثيق الرقمي والرفع الأثري للمباني المكتشفة، وإعداد المساقط الأفقية والرأسية، ورسم القطع الأثرية والتصوير ثلاثي الأبعاد. وأشار إلى أن الأثري أصبح في حاجة مستمرة إلى تطوير مهاراته لمواجهة التحديات البيئية والبشرية التي تهدد المواقع الأثرية، ومن بينها التغيرات المناخية، وارتفاع مناسيب المياه الجوفية، والتقلبات الجوية الشديدة والزلازل، إلى جانب الزحف العمراني وأعمال التنقيب خلسة.
وأكد أن سرعة الإنقاذ والتوثيق الرقمي أصبحت من العناصر الأساسية لحماية المواقع الأثرية وتسجيل حالتها قبل تعرضها لأي مخاطر أو تغيرات. ولفت إلى أهمية تدريب المفتشين على نظم المعلومات الجغرافية GIS وقواعد البيانات الرقمية، بما يسمح بإدارة البيانات والصور والخرائط الخاصة بالمواقع الأثرية وحفظها بصورة دقيقة، وإتاحتها للمجتمع العلمي العالمي.
وأوضح ريحان أن أعمال الحفائر تمثل عملية توثيق منهجية تساعد على فهم تاريخ الإنسان وسياقه البيئي والثقافي، مؤكدًا أن قيمة القطعة الأثرية لا ترتبط فقط بجمالها أو المادة المصنوعة منها، وإنما بالسياق الأثري الذي عُثر عليها فيه، والطبقات المحيطة بها وعلاقتها بالبيئة والمكتشفات الأخرى. وأضاف أن الآثاريين يقومون بتوثيق الطبقات الأثرية للحفاظ على تسلسل زمني دقيق للمكتشفات، ومعرفة ما إذا كانت اللقى المكتشفة تنتمي بالفعل إلى الطبقة أو العصر الذي ظهرت فيه، أم أنها نُقلت من موقع آخر، فضلًا عن التحقق من طبيعة الطبقات وما إذا كانت تعرضت للتجريف أو التغيير.
وأشار مدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب إلى أن القيمة الأثرية لا تتوقف على قيمة المادة الخام للقطعة، حتى لو كانت مصنوعة من الذهب أو الفضة، وإنما تكمن بصورة أساسية في المعلومات التي تقدمها للباحثين. وأوضح أن الفخار والعظام وبقايا النباتات وغيرها من المكتشفات يمكن أن تكشف الكثير عن الحياة اليومية للإنسان في العصور المختلفة، بداية من أنماط السكن والعمل وأواني الطعام ونوع الغذاء، وصولًا إلى الأمراض المنتشرة وطرق العلاج، بما يقدم صورة متكاملة عن ثقافة المجتمع في كل عصر.
وأكد ريحان أن التقنيات الحديثة، ومنها المسح الجيوفيزيائي والتحاليل الكيميائية لعينات التربة والتصوير ثلاثي الأبعاد، أصبحت أدوات أساسية في بناء صورة متكاملة عن المواقع والآثار. وقال إن دور الآثاري لم يعد مقتصرًا على أعمال الحفر، وإنما امتد إلى إدارة وتحليل البيانات الرقمية الناتجة عن التقنيات الحديثة، موضحًا أن نظم التوثيق الرقمي حلت بدرجة كبيرة محل الرسومات الورقية والقياسات اليدوية البطيئة، وأصبحت قادرة على تسجيل الطبقات الأثرية بدقة كبيرة.
كما تتيح النماذج الرقمية مشاركة البيانات بين الفرق البحثية حول العالم، ودراسة تفاصيل القطع وأبعادها عن بُعد دون الحاجة إلى لمس الأثر أو تعريضه للخطر، فضلًا عن إمكانية استخدام البرمجيات في الترميم الافتراضي وتعويض الأجزاء المفقودة قبل بدء عمليات الترميم الفعلية. ولفت إلى أن أجهزة المسح الراداري وتقنيات الليزر تساعد في التعرف على ما يوجد أسفل سطح الأرض قبل البدء في أعمال الحفر، الأمر الذي يسهم في توفير الوقت والجهد والحفاظ على الطبقات الأثرية الهشة.
وأشار كذلك إلى أهمية استخدام أجهزة دقيقة مثل Total Station في تحديد إحداثيات ومواقع الآثار بدقة داخل محيطها الجغرافي. وأوضح أن التدريب على التقنيات الجيوفيزيائية والاستشعار عن بعد يساعد في الكشف عن الآثار وحمايتها من التدمير، كما يختصر الوقت والجهد في مواجهة مخاطر الزحف العمراني. وأضاف أن استخدام الذكاء الاصطناعي والتوثيق الرقمي يساهم في إنشاء «نسخ رقمية مطابقة» للآثار، بما يحفظ تفاصيلها في حالة تعرضها للتلف الطبيعي.
كما يسهم التدريب المتقدم في الكيمياء والجيولوجيا في تطوير مواد ترميم تتوافق مع طبيعة الأثر المصري وتقاوم عوامل الرطوبة والأملاح الناتجة عن التغيرات المناخية، إلى جانب تأهيل الأثريين لإدارة التدفقات السياحية ودراسة المخاطر الناتجة عن الاستثمار الخاطئ. وأوضح ريحان أن التدريب العملي يشمل كيفية إزالة الطبقات الترابية بدقة وفق التسلسل الزمني، بما يمنع اختلاط المكتشفات أو تدمير الشواهد الأثرية.
كما يتعلم المتدربون اختيار الأدوات المناسبة لكل طبقة أو قطعة أثرية، مثل استخدام الفرش الدقيقة مع الأواني الفخارية الهشة، بما يقلل احتمالات تعرضها للكسر. ويشمل التدريب كذلك القدرة على التمييز بين الطوب اللبن والرماد والتربة العادية، لحماية الجدران والهياكل غير الواضحة من الهدم غير المقصود، إلى جانب تسجيل البيانات وكتابة التقارير اليومية وتحديد سياق كل قطعة، وإعداد الخرائط والمخططات الدقيقة للموقع.
وأشار إلى أهمية ما وصفه بالإسعافات الأولية للآثار، حيث يتعلم المتدربون أساليب الصيانة الوقائية الفورية للقطع المستخرجة، لحمايتها من الصدمة البيئية الناتجة عن التغير المفاجئ في درجات الحرارة أو الرطوبة بمجرد خروجها إلى الهواء. كما يضمن التدريب عدم استخدام مواد ترميم غير مناسبة قد تتفاعل مع الأثر مستقبلًا وتؤدي إلى تلفه بدلًا من حمايته.
واختتم الدكتور عبد الرحيم ريحان بالتأكيد على أن مدارس الحفائر تحمل رسالة مهمة للأجيال الحالية والقادمة بشأن ضرورة الحفاظ على المواقع الأثرية، وعدم النظر إليها باعتبارها مجرد أماكن لاكتشاف الكنوز أو «أحجارًا صامتة»، وإنما باعتبارها صفحات مادية من كتاب التاريخ الإنساني وجزءًا أساسيًا من الهوية والجذور. وأكد أن القيمة الحقيقية للأثر تكمن فيما يقدمه من معلومات عن أنماط حياة الأجداد وعلومهم وفنونهم، محذرًا من أن إخراج أي قطعة أثرية من موقعها الأصلي بصورة غير قانونية يدمر سياقها التاريخي ويجعلها صامتة لا تقدم فائدة للعلم.
وقال إن اقتطاع قطعة من موقعها الأثري يشبه قطع صفحة أو فصل من كتاب التاريخ، بما يسهم في طمس ذاكرة المكان والزمان وتزييف التاريخ. هي «بنوك للهوية» وليست مجرد مزارات للنزهة، وأن فهم التاريخ يعزز الانتماء ويحمي الذاكرة الجماعية للأمة من الطمس والنسيان والغزو الفكري لعقول الشباب.
وأكد أن الآثار تمثل مصدرًا للاستدامة الاقتصادية للأجيال المقبلة، وموردًا متجددًا يمكن أن يوفر فرص عمل ومصدر دخل للمجتمع جيلًا بعد جيل، مشددًا على أن التراث ليس ملكًا لجيل واحد ليتصرف فيه كما يشاء، وإنما أمانة انتقلت إلى الحاضر من الماضي، ومسؤولية يجب الحفاظ عليها وتسليمها سليمة إلى الأجيال التي لم تولد بعد. «خطر في ساندوتش المدرسة».. كيف تهدد اللحوم المصنعة صحة أطفالنا؟
الدكتور عبد الرحيم ريحان حماية التراث المصري مدرسة الحفائر للمبتدئين اكتشاف القطع الأثرية تدريب ميداني للأثريين
