إذا أردنا أن نفهم ما يجري اليوم في أسواق الطاقة العالمية، فعلينا أن نتجاوز النظر إلى أسعار النفط والغاز باعتبارها مجرد انعكاس لعلاقة تقليدية بين العرض والطلب.
أول تعديلات حسام حسن أمام جنوب السودانالاتهامات الموجهة إلى مانشستر سيتي بعد التجاوزات المالية إذا أردنا أن نفهم ما يجري اليوم في أسواق الطاقة العالمية، فعلينا أن نتجاوز النظر إلى أسعار النفط والغاز باعتبارها مجرد انعكاس لعلاقة تقليدية بين العرض والطلب.
فالمشهد أصبح أكثر تعقيداً لأن الطاقة لم تعد تتحرك فقط وفق حسابات الإنتاج والاستهلاك، وإنما أضحت رهينة الطقس، والحرب، والبنية التحتية، والممرات البحرية، وقدرة الدول على الحفاظ على تدفق الإمدادات في عالم تتزايد فيه الصدمات بصورة متزامنة. وما يحدث في الولايات المتحدة يقدم مثالاً واضحاً على هذا التحول. فعندما تضرب موجات البرد الشديد مناطق واسعة من البلاد، ترتفع احتياجات التدفئة بصورة حادة، فيقفز الطلب على الغاز الطبيعي والكهرباء.
لكن المفارقة أن ارتفاع الطلب قد يتزامن في اللحظة نفسها مع انخفاض في القدرة على الإنتاج والنقل، وهو ما يحول الأزمة من مجرد موجة برد إلى صدمة متكاملة في منظومة الطاقة. ويحدث ذلك حينما تتعرض منشآت الإنتاج لما يعرف في صناعة الطاقة بظاهرة"التعطل بالتجمد"، حيث يؤدي البرد القارس إلى تجمد المياه والرطوبة وتكوّن هيدرات الغاز في الآبار وخطوط ومعدات الإنتاج، الأمر الذى يؤدى الى خفض تدفق الغاز أو وقفه مؤقتاً، فتتعطل عمليات الاستخراج والنقل في الوقت الذي تحتاج فيه السوق إلى كميات إضافية.
وتصبح المشكلة أكثر حساسية عندما تمتد موجات البرد إلى الجنوب الأمريكي، ولاسيما تكساس، التي تمثل أحد أهم مراكز صناعة الطاقة في الولايات المتحدة. وتكشف هذه الظاهرة كيف يمكن للجغرافيا أن تتحول إلى عامل اقتصادي مباشر، فالتيار النفاث الذي يساعد عادة على احتجاز الكتل الهوائية القطبية في الشمال، يمكن أن يضطرب بما يسمح للهواء شديد البرودة بالتوغل جنوباً.
كما أن الطبيعة الجغرافية للولايات المتحدة، وغياب حواجز جبلية ممتدة من الشرق إلى الغرب تمنع حركة الكتل القطبية عبر السهول، يسمح أحياناً بوصول البرد القارس إلى تكساس وخليج المكسيك، حيث توجد بنية ضخمة لإنتاج الغاز وإسالته وتصديره. وهنا لا تبقى المشكلة أمريكية داخلية، فالولايات المتحدة أصبحت أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، ويتركز جانب مهم من طاقتها التصديرية على ساحل الخليج.
وإذا تراجع الإنتاج المحلي أو تعطلت خطوط التغذية إلى منشآت الإسالة في الوقت الذي يرتفع فيه الطلب الداخلي، فإن الضغوط تنتقل سريعاً إلى أوروبا وآسيا، وترتفع المنافسة على الشحنات المتاحة. ارتباطا بما تقدم، تعيد هذه المفارقة تعريف مفهوم أمن الطاقة. حيث لم يعد امتلاك الاحتياطات الضخمة كافياً، بل أصبحت الثقة فى والقدرة على تشغيل البنية التحتية تحت الضغط عاملاً استراتيجياً في حد ذاته.
فقد تمتلك دولة كميات هائلة من الغاز، لكن قدرتها على تحويل هذه الموارد إلى إمدادات فعلية للأسواق قد تتعطل بسبب موجة طقس واحدة. ومع ذلك فالضغوط على أسواق الطاقة لا تأتي من الغرب وحده، فهناك صدمة أخرى قادمة من شرق أوروبا، حيث تحولت منشآت الطاقة الروسية إلى جزء مباشر من الحرب الروسية – الأوكرانية بعد شن الأخيرة مؤخرا لهجمات بمسيرات على عدد من مصافي التكرير ومنشآت التخزين والبنية التحتية الروسية.
ولا يقتصر الأمر فى هذه الحالة على الحسابات العسكرية، وإنما يمتد إلى توازنات السوق العالمية كلما ارتفعت احتمالات تراجع قدرة روسيا على التكرير أو التصدير أو الحفاظ على انتظام تدفق المنتجات البترولية. وهنا تظهر الهند كعنصر شديد الأهمية، فمنذ فرض العقوبات الغربية على روسيا، أصبحت كلا من بكين ونيودلهى من أكبر المشترين للخام الروسي منخفض السعر، واستفادت مصافي الأخيرة من هذه الإمدادات في تغطية جزء كبير من احتياجاتها وفي إنتاج مشتقات بترولية أعيد تصدير بعضها إلى أسواق دولية، بما فيها الاتحاد الأوروبى.
وهكذا نشأت مفارقة لافتة حينما خفضت دول الاتحاد الأوروبى اعتمادها المباشر على الطاقة الروسية، حيث سمح إعادة رسم مسارات التجارة باستمرار تأثير الخام الروسي بصورة غير مباشرة على الأسواق الغربية من خلال عمليات التكرير وإعادة التصدير. لكن هذه المنظومة تصبح هشة إذا تعرضت البني التحتية الروسية لاضطرابات متكررة أو تقلصت قدرة موسكو على تلبية احتياجات الأسواق الآسيوية وتحديدا الهند، عندها قد تتحول المشكلة من أزمة روسية إلى أزمة هندية، ثم إلى صدمة عالمية.
فالهند ليست مستهلكاً هامشياً، وإنما واحدة من أكبر أسواق النفط في العالم، وإذا اضطرت مصافيها إلى البحث بصورة مفاجئة عن كميات كبيرة من الخام البديل، فإن دخول هذه القوة الشرائية الكبيرة إلى السوق يمكن أن يرفع المنافسة على البراميل المتاحة، ويعيد توجيه جانب أكبر من الطلب نحو الشرق الأوسط. ومن هنا يستعيد الخليج العربي مركزية استراتيجية متزايدة.
فالقرب من آسيا، وحجم الاحتياطيات، والقدرات الإنتاجية والتصديرية، وشبكات الموانئ والأنابيب، تجعل دول الخليج من أكثر الأطراف قدرة على الاستجابة لإعادة توزيع واسعة في تدفقات النفط. وإذا تراجعت الثقة فى استدامة الإمدادات الروسية بالنسبة للهند، أو ازدادت حساسية الغاز الأمريكي بالنسبة لأوروبا، فإن منطقة الخليج تصبح بصورة أكبر نقطة تقاطع بين أمن الطاقة الأوروبي وأمن الطاقة الآسيوي.
ولا يعني ذلك أن الخليج أصبح المصدر الوحيد القادر على موازنة السوق، لكنه يظل أحد أهم مراكز المرونة في النظام النفطي العالمي، وهنا تكمن قيمة استراتيجية تتجاوز مجرد حجم الإنتاج، لأن القدرة على زيادة الإمدادات أو الحفاظ عليها وقت الأزمات تمنح المنتج وزناً أكبر من مجرد امتلاك الاحتياطي، غير أن هذه القوة تحتوي أيضاً على نقطة ضعف جوهرية تتمثل فى مضيق هرمز. فكلما ازدادت أهمية الخليج في تعويض اضطراب الإمدادات الروسية أو الأمريكية، ازدادت في الوقت نفسه حساسية الاقتصاد العالمي لأي توتر يؤثر على الملاحة في هرمز، وهكذا لا تختفي المخاطر، وإنما يتغير موقعها الجغرافي.
وفي هذا السياق تبرز أهمية قناة السويس بصورة مختلفة، فالقناة ليست مجرد أقصر طريق بحري بين آسيا وأوروبا، وإنما جزء من شبكة أوسع لأمن الطاقة والتجارة، تشمل خليج السويس، وخط أنابيب سوميد، والموانئ المصرية على البحرين الأحمر والمتوسط، وشبكات التخزين والتكرير والخدمات البحرية. ومن ثم، فإن أي تحول يزيد من اعتماد أوروبا وآسيا على نفط وغاز الشرق الأوسط يعزز بصورة غير مباشرة القيمة الاستراتيجية للممر المصري.
فمصر لا تنافس الخليج في حجم الاحتياطيات، وإنما تقدم وظيفة مختلفة تتمثل فى ضمان الربط بين مناطق الإنتاج والأسواق، وتوفير مسار بحري ولوجستي يعمل على مدار العام. وتزداد أهمية هذه النقطة عند مقارنتها بالممرات الجديدة التي يجري الترويج لها، وعلى رأسها طريق القطب الشمالي. فروسيا تراهن على توسيع استخدام هذا الطريق، بينما تنظر الصين إليه في إطار أوسع باعتباره جزءاً من تصورها لما يسمى بطريق الحرير القطبي.
وتقوم الفكرة على أن تراجع الجليد البحري قد يسمح باستخدام الطريق الممتد بمحاذاة الساحل الروسي في بعض الرحلات بين شمال شرق آسيا وشمال أوروبا، بما يوفر مسافة أقصر مقارنة بالمرور عبر قناة السويس. لكن هذه المقارنة تصبح مضللة إذا اقتصرت على الأميال البحرية فقط، فاختيار الطرق الملاحية بالنسبة لشركات الشحن لا ترتبط فقط بقصر مسافاتها وإنما بأكثرها موثوقية واستدامة عملها على مدار العام، فضلا عن تكلفة التأمين، ونوع السفن المطلوبة، واحتمالات التأخير، ومدى الحاجة إلى كاسحات الجليد أو أية ترتيبات أخرى فنية ولوجيستية خاصة للملاحة.
فالقطب الشمالي، رغم تراجع الجليد على المدى الطويل، لا يزال بيئة شديدة التقلب، وذوبان الجليد تدريجياً لا يعني غياب موجات البرد أو تغير سماكة الجليد وحركته أو اضطراب الظروف الملاحية. ولذلك فإن طريق البحر الشمالي قد يتوسع في بعض أنواع التجارة، لا سيما بين روسيا وآسيا، لكنه يظل أقرب في المدى المنظور إلى ممر مكمل أو أداة للتحوط الاستراتيجي منه إلى بديل جزئى كبير لقناة السويس.
وهنا يظهر معيار الموثوقية المناخية كمعيار جديد ينبغي أن يدخل بقوة في أية مقارنات بين الممرات الدولية. فالتغيرات المناخية لا تعني ببساطة أن طرقاً جديدة ستفتح أو أن الطرق التقليدية ستفقد أهميتها، بل قد يعني أيضاً ارتفاع مستوى عدم اليقين في البيئات الأكثر تطرفاً. ومن هذه الزاوية، تصبح قوة قناة السويس مرتبطة ليس فقط بموقعها، وإنما بقدرتها على العمل بصورة منتظمة في معظم الظروف، وبوجود بنية تحتية وخدمات وتجمعات صناعية ولوجستية قادرة على تعزيز قيمة المرور نفسه.
فالدرس الذي تقدمه أزمات الغاز الأمريكي، والهجمات على البنية التحتية الروسية، وتصاعد أهمية الخليج، وعدم اليقين في القطب الشمالي، هو أن النظام العالمي يدخل مرحلة تصبح فيها المرونة أهم من الكفاءة النظرية، والموثوقية أهم من مجرد قصر المسافة. فلم تعد العبرة بمن يمتلك النفط والغاز، بل أصبح الأمر متعلقا بمن يستطيع إنتاجه عندما تقع الأزمة، وبمن يستطيع نقله، وبمن يملك الممر الأكثر قدرة على العمل عندما تتزامن الصدمات.
ومن هنا ينبغي أن تبني مصر استراتيجيتها تجاه المنافسة بين قناة السويس وطريق البحر الشمالي والممرات الجديد المقترح الهند - البحر المتوسط – أوروبا. فالتفوق المستقبلي لن يحسم فقط بعدد الأميال أو رسوم العبور، وإنما بقدرة الممر على أن يكون جزءاً من منظومة متكاملة تشمل النقل والطاقة والتخزين والتكرير والخدمات البحرية والصناعة وإعادة التصدير.
وفي عالم يستطيع فيه الطقس أن يعطل الغاز الأمريكي، والحرب أن تضرب الطاقة الروسية، والتوتر الجيوسياسي أن يهدد مضيق هرمز، والجليد أن يربك الطريق القطبي، تصبح الدولة التي تستطيع أن تقدم ممراً آمناً وموثوقاً وقابلاً للتنبؤ شريكاً استراتيجياً لا مجرد نقطة عبور. وهنا تحديداً تكمن إحدى أهم أوراق القوة التي تستطيع مصر وقناة السويس البناء عليها في خريطة الطاقة والتجارة العالمية الجديدة. مصر في البريكس.. من مقعد العضوية إلى صناعة النفوذ في عالم مُتغيٍرزيارة الرئيس الصيني للقاهرة..
هل تبدأ معها مرحلة جديدة في العلاقات «المصرية ـ الصينية»؟ أول تعديلات حسام حسن أمام جنوب السودانأسعار الذهب اليوم السبت.. عيار 21 يسجل 6240 جنيهًا
