هناك لاعبون يسجلون الأهداف.. ولاعبون يصنعون البطولات.. وقلة نادرة تصنع لوطنها مكانًا فى ذاكرة العالم.
مفتي الجمهورية يدين الهجوم على محطة توزيع الكهرباء بالمدينة المنورةو محمد صلاح واحد من هؤلاء الذين تجاوزوا حدود الملعب، حتى صار اسمه جواز سفر مصرى لا يحتاج إلى تأشيرة..
جرّب أن تقول فى أى بقعة من قارات الدنيا إنك مصرى، وسوف تجد من يسبقك إلى الحديث عن الفرعون.. عن صلاح، ابن نجريج الذى خرج من قلعة الذئاب وفى قدميه برق مبكر، كما رآه حمدى نوح، ثم مضى إلى بازل، فأبهر تشيلسي، وطاف بين كبار أوروبا، حتى صار فى إيطاليا قيصرًا للنجوم، وفى إنجلترا ملكًا على عرش الملوك، وفى تركيا إمبراطورًا لا يحتاج إلى وقت طويل ليعلن حضوره.. لم يحمل صلاح موهبته وحدها فى رحلته.. حمل مصر معه..
وحين أطل العالم عليه.. أطل على «أم الدنيا» معه.. من نجريج إلى العالم.. كان صلاح يبنى هرمه، حجرًا من المجد فوق حجر، حتى صار هرمًا مصريًا فى كل الدنيا..
ولم تكن رحلة المحترف العالمى محمد صلاح إلى قمة كرة القدم العالمية طريقًا مستقيمًا، ولم تبدأ من أحد أكبر أندية مصر، ولم يكن اللاعب الذى وصل إلى ليفربول عام 2017 هو نفسه الذى غادره بعد تسع سنوات.. بين المقاولون العرب وبازل وتشيلسي وفيورنتينا وروما وليفربول ثم طرابزون سبور، مر صلاح بمراحل كثيرة، وكل مرحلة منها صنعت جزءًا جديدًا من شخصيته كلاعب..
لكن ربما ما يجعل رحلة صلاح أكثر إثارة هو أن كل محطة تركت وراءها شهادة من شخص شاهده عن قرب. مدرب فى المقاولون تحدث عن سرعته وتركيزه، ومدرب فى بازل شبّه سرعته بشىء لا يستطيع المدافعون التعامل معه، ومورينيو اعترف لاحقًا بأنه كان يعرف قدراته لكنه لم يحصل على فرصته الكافية فى تشيلسى، بينما رأى مونتيلا فيه لاعبًا يستطيع تغيير شكل المباراة.
وبعد ذلك، جاء كلوب ليقود النسخة الأكثر اكتمالًا من صلاح، فيما وصفه زملاؤه فى ليفربول بأنه لاعب استثنائى وقائد داخل الملعب.. هذه ليست فقط قصة محمد صلاح كما يرويها سجله من الأهداف والبطولات، وإنما قصة محمد صلاح كما رآه الآخرون. بدأت الحكاية من نجريج، ومنها إلى المقاولون العرب، حيث كان صلاح فى الرابعة عشرة عندما بدأ مشواره مع النادى.
ولم تكن الرحلة سهلة على الإطلاق؛ فقد كشف صلاح نفسه أن الذهاب إلى تدريبات المقاولون كان يستغرق منه أربع إلى أربع ساعات ونصف، وكان يقوم بهذه الرحلة خمسة أيام فى الأسبوع لعدة سنوات، حتى إنه كان يترك المدرسة مبكرًا حتى يتمكن من الوصول إلى التدريب فى القاهرة. هذه التفاصيل تفسر جانبًا من شخصية صلاح التى تحدث عنها مدربوه فى السنوات الأولى..
الأسطورة حمدى نوح، مدرب صلاح السابق فى المقاولون، اختصر واحدة من أهم صفات اللاعب فى عبارة لافتة عندما قال إن صلاح كان يستمع إلى الجميع. لم يكن اللاعب الذى يعتقد أنه وصل إلى مستوى يجعله لا يحتاج إلى النصيحة، وإنما كان يتعامل مع كل ملاحظة باعتبارها فرصة جديدة للتطور. وفى هذه المرحلة أيضًا بدأت تظهر ملامح اللاعب الذى يريد أن يسجل، وليس فقط اللاعب الذى يملك السرعة.
كان صلاح فى بداياته قريبًا من مراكز مختلفة، لكن تطوره الهجومى جعله أكثر خطورة، ومع الوقت بدأ يتحول إلى جناح يستطيع صناعة الفارق أمام المرمى. جاءت الخطوة الأوروبية الأولى مع بازل السويسرى، وهناك بدأ صلاح يخرج من نطاق الموهبة المصرية إلى دائرة الاهتمام الأوروبى.. مورات ياكين، مدرب بازل وقتها، كان من أكثر الأشخاص الذين شاهدوا التطور الأول لصلاح فى أوروبا.
ورغم أنه تحدث عن حاجة اللاعب فى تلك الفترة إلى مزيد من الفاعلية أمام المرمى، فإنه وصف سرعته بطريقة شديدة الدلالة، قائلًا إن المدافعين كانوا يحتاجون إلى «دراجة نارية» للحاق به.. لم تكن الملاحظة الخاصة بالحسم أمام المرمى مجرد انتقاد عابر؛ فقد كان صلاح فى بداياته الأوروبية يخلق فرصًا كثيرة، لكنه لم يكن دائمًا يترجمها إلى أهداف.
ياكين نفسه قال إن صلاح لو أصبح أكثر قدرة على التسجيل لما ظل فى بازل طويلًا، بينما رأى رئيس النادى وقتها أن زيادة فاعليته أمام المرمى كانت ستضاعف قيمته السوقية.. لكن الأهم أن صلاح بدأ يرد داخل الملعب. تألقه فى المسابقات الأوروبية، وخصوصًا أمام تشيلسى، جعله يدخل دائرة اهتمام الأندية الكبرى.
انتقل صلاح إلى تشيلسى فى يناير 2014، وكانت الصفقة بمثابة تحقيق لحلم اللعب فى الدورى الإنجليزى، لكنها تحولت سريعًا إلى واحدة من أصعب مراحل مسيرته، وشارك صلاح فى 13 مباراة مع تشيلسى وسجل هدفين فقط، ولم يحصل على المساحة التى كان يحتاج إليها لكى يثبت نفسه.. وبعد سنوات، تحدث جوزيه مورينيو عن تلك التجربة، مؤكدًا أنه كان يعرف قدرات صلاح عندما كان معه فى تشيلسى، لكنه رأى أن اللاعب تطور كثيرًا فى إيطاليا، وأصبح أكثر نضجًا من الناحية البدنية، مشيرًا إلى أن اللاعبين يحتاجون إلى الوقت للتأقلم مع الفرق الجديدة والبطولات المختلفة.
وفى الوقت نفسه، جاءت شهادة إدين هازارد، زميل صلاح فى تشيلسى، لتكشف أن الصورة داخل النادى لم تكن أن اللاعب يفتقد الموهبة. هازارد قال إن صلاح لاعب كبير، وإنه لم يحصل على فرصته الحقيقية فى تشيلسى.. وهكذا، خرج صلاح من لندن وهو يحمل تجربة هادئة لم تحقق المطلوب، لكنه خرج أيضًا بمعرفة أكبر بما يحتاج إليه حتى ينجح فى المستوى الأعلى. فيورنتينا لم تكن مجرد إعارة بالنسبة لمحمد صلاح؛ كانت لحظة استعادة اللاعب لصورته أمام نفسه وأمام الآخرين..
وفى إيطاليا، حصل صلاح على دقائق أكثر، وبدأت سرعته تصبح أكثر فاعلية، وظهرت قدرته على التسجيل وصناعة الخطورة بشكل أكبر. والأهم أنه بدأ يتعلم تفاصيل الكرة الإيطالية، وهى مدرسة معروفة بقوتها التكتيكية وقدرتها على اختبار ذكاء اللاعبين.
فنشينزو مونتيلا، مدرب فيورنتينا وقتها، قال إن النادى كان يعرف جودة صلاح قبل وصوله، لكنه لم يتوقع أن يكون تأثيره بهذا الحجم فى الكرة الإيطالية، بل ذهب إلى تشبيه سرعته بالكرة بسرعة ليونيل ميسى، معتبرًا أن الأرجنتينى ربما كان اللاعب الوحيد الذى يتفوق عليه فى هذا الجانب. هذه الشهادة مهمة لأنها جاءت من مدرب كان يشاهد صلاح فى التدريبات والمباريات، وليس من محلل يتابع اللاعب من بعيد، كما حملت تجربة فيورنتينا جانبًا إنسانيًا واضحًا؛ فقد اختار صلاح ارتداء القميص رقم 74، فى إشارة إلى ضحايا أحداث استاد بورسعيد، وهى الذكرى التى ظلت مرتبطة ببداياته الأوروبية.
إذا كانت فيورنتينا قد أعادت صلاح إلى الواجهة، فإن روما منحته مرحلة جديدة من النضج.. هناك عمل مع لوتشيانو سباليتي، أحد أكثر المدربين تأثيرًا فى مسيرته، وبدأ صلاح يظهر كلاعب أكثر فهمًا للمساحات وأكثر قدرة على اتخاذ القرار.. سباليتى تحدث عن صلاح بإعجاب واضح، ووصفه بأنه لاعب استثنائي، بل اعتبره أفضل لاعب دربه خلال مسيرته، مشيرًا إلى أن سرعته وقدرته على تغيير اتجاهه جعلت التعامل معه صعبًا للغاية.
ولم يكن سباليتى وحده من رأى أن صلاح وصل إلى مستوى مختلف فى روما. فرانشيسكو توتي، أسطورة النادى وقائد روما، تحدث عن صلاح بعد سنوات من رحيله، وقال إنه يضعه ضمن أفضل عشرة لاعبين فى العالم، كما أشاد بشخصيته خارج الملعب ووصفه بأنه شخص استثنائى ومتواضع ومحترم.. توتى أشار أيضًا إلى أنه كان يعرف أن صلاح سيصبح أقوى إذا انتقل إلى نادٍ مثل ليفربول، وهى شهادة تحمل قيمة خاصة لأنها جاءت من لاعب عاش مع صلاح داخل غرفة ملابس روما.
وفى 2025، تحدث صلاح نفسه عن سباليتى باعتباره أفضل مدرب عمل معه، وقال إن المدرب الإيطالى ساعده كثيرًا على التطور تكتيكيًا وذهنيًا ومنحه المساحة للتعبير عن موهبته. فى صيف 2017 عاد صلاح إلى الدورى الإنجليزى، لكن هذه المرة بقميص ليفربول وكانت هناك أسئلة كثيرة حول قدرته على النجاح، خصوصًا بعد تجربته السابقة مع تشيلسي، لكن الإجابة لم تتأخر. فى موسمه الأول، أصبح صلاح هداف الدورى الإنجليزي، وسجل 32 هدفًا فى المسابقة، وغيّر تمامًا الصورة التى كانت موجودة عنه فى إنجلترا.
إيمرى كان، لاعب ليفربول السابق، وصفه بأنه ملك مصر ولاعب مذهل، بينما كان يورجن كلوب يرى شيئًا أكثر تحديدًا فى شخصية صلاح؛ الرغبة المستمرة فى تسجيل الأهداف. كلوب قال فى وقت سابق إن صلاح كان يغضب عندما يتم استبداله، لأنه كان يريد دائمًا المزيد من الأهداف، معتبرًا أن هذه الرغبة هى العقلية المطلوبة من اللاعب الكبير.
فى 2026، وبعد اقتراب نهاية رحلة صلاح مع ليفربول، وصفه كلوب بأنه «عظيم عبر التاريخ»، وقال إن أرقامه مع النادى يصعب تجاوزها، كما اعتبر الثلاثى صلاح ومانى وفيرمينو واحدًا من أفضل خطوط الهجوم فى العالم لفترة طويلة. والأهم فى كلام كلوب كان تفسيره لطبيعة صلاح؛ فقد رأى أن الهدف موجود دائمًا فى عقل اللاعب، وأن هذه الرغبة لا يمكن ببساطة تعليمها للاعب آخر.
بعد تسع سنوات مع ليفربول، بدأت فى أغسطس 2026 صفحة جديدة فى مسيرة محمد صلاح مع طرابزون سبور، صلاح نفسه أوضح أن انتقاله لم يكن بحثًا عن اسم جديد فقط، وإنما عن تحدٍ جديد، مؤكدًا رغبته فى الفوز بألقاب مع النادى التركى، بما فى ذلك المنافسة الأوروبية والدورى التركى. كما أشار إلى أن طموح رئيس النادى والمشروع الذى يحاول بناءه كانا من أسباب اقتناعه بالانتقال.
وفى سبتمبر 2026، تحدث فان دايك عن غياب صلاح، مؤكدًا أنه يفتقده، خصوصًا فى التحركات التى كان يقوم بها على الجناح، وهى شهادة تعكس حجم الاعتماد الذى كان عليه دفاع ليفربول فى وجود اللاعب المصري. وهكذا، يصل صلاح إلى تركيا وهو يحمل شيئًا مختلفًا تمامًا عن الذى كان يحمله عندما غادر مصر إلى سويسرا.. فى بازل كان يريد أن يثبت أنه قادر على اللعب فى أوروبا.. وفى تشيلسى كان يحاول أن يجد فرصته.
وفى فيورنتينا كان يبحث عن استعادة نفسه وفى روما كان يثبت أنه أصبح لاعبًا أكثر نضجًا وفى ليفربول تحول إلى نجم عالمى وأحد أبرز اللاعبين فى تاريخ النادى.. أما فى طرابزون، فهو يدخل التحدى الجديد بعدما أصبح الآخرون هم الذين يتحدثون عن تاريخه وإنجازاته. المنتخب في عهد حسام حسن.. نتائج مطمئنة ودوائر جدل لا تنتهي
المقاولون العرب نجريج ليفربول فيورنتينا تشيلسي بازل السويسري روما طرابزون سبور
