قد تبدو المساعدة فعلًا بسيطًا لا يحتاج إلى كثير من التفكير؛ يد تمتد لدفع كرسي متحرك، أو نصيحة تُلقى على أم تحاول تهدئة طفلها، أو شخص يتحدث نيابة عن آخر لأنه يظن أنه يسهل عليه التواصل، لكن ما يبدو من الخارج «مساعدة» قد يحمل في بعض المواقف معنى مختلفًا تمامًا لمن يتلقاها: تدخلًا في اختياراته، أو انتقاصًا من قدرته، أو حتى شعورًا بأنه غير قادر على...
وزير العمل: التوجيهات الرئاسية تضع رعاية المصريين بالخارج في مقدمة الأولويات، أو نصيحة تُلقى على أم تحاول تهدئة طفلها، أو شخص يتحدث نيابة عن آخر لأنه يظن أنه يسهل عليه التواصل، لكن ما يبدو من الخارج «مساعدة» قد يحمل في بعض المواقف معنى مختلفًا تمامًا لمن يتلقاها: تدخلًا في اختياراته، أو انتقاصًا من قدرته، أو حتى شعورًا بأنه غير قادر على إدارة تفاصيل حياته بنفسه.
بالنسبة لبعض ذوي الهمم وأسرهم، لا تأتي الوصاية دائمًا في صورة أوامر مباشرة، وإنما تتسلل إلى مواقف يومية عابرة؛ نظرة تحمل افتراضًا بالعجز، نصيحة لم تُطلب، يد تمسك بالكرسي دون استئذان، أو كلمات تُقال نيابة عن شخص يريد أن يعبر عن نفسه بنفسه. وفي المقابل، يقف الطرف الآخر غالبًا مدفوعًا بحسن النية والرغبة في تقديم العون، من دون أن يدرك أن المساعدة لا تكون مساعدة حقيقية إذا ألغت حق صاحبها في الاختيار. فأين ينتهي التعاطف وتبدأ الوصاية؟
وهل يمكن أن تتحول الحماية الزائدة إلى عائق أمام الاستقلال والثقة بالنفس؟ ولماذا يميل البعض إلى افتراض أن الشخص منيحتاج إلى المساعدة لمجرد أنه مختلف؟ والأهم.. كيف يمكن أن نساند دون أن نقرر بالنيابة، ونحمي دون أن نُشعر الآخر بأنه عاجز؟
بين تجارب يعيشها ذوو الهمم وأسرهم يوميًا، وتفسيرات علم النفس لدوافع «المساعدة المفرطة» وآثارها، يفتح هذا التحقيق مساحة للبحث في مفهوم بسيط قد يغيّر شكل العلاقة مع ذوي الهمم: اسأل أولًا.. ثم ساعد إذا طُلبت المساعدة. ، فطفلها يعاني مما يسمى رهاب المواصلات، فبمجرد أن تستقل أي وسيلة مواصلات يبدأ طفلها بالبكاء، لا أحد يعرف ما يشعر به في هذا الوقت لكن جسده يترجم هذا الخوف بصراخ هستيري لا يتوقف.
وفي كل مرة، يتكرر نفس المشهد: الركاب يلتفتون، والنظرات تتحول إلى تعليقات، والتعليقات إلى وصايا:"يا بنتي أكليه"،"يا بنتي شربيه"،"حرام عليكي، هو ماله؟
"، لا أحد يسأل:"هل تحتاجين مساعدة؟ "، وتقول أم مالك"الكل يفترض أنه يعرف الحل، ويوجّه اللوم لي، وكأني أنا المسؤولة عن حالة لا أملك تفسيرًا لها، وهذا بالرغم من أنه يبدو كنوع من الدعم والمساعدة في ظاهرة، إلا أن واقعه مؤلم جدا لي، ويجعلني أشعر بالعجز حيال طفلي وأنا لا أعرف كيف أجعله يهدأ كأي أم مع طفلها".
تجلس حائرة، لا تعرف كيف تتصرف، بينما يتكدس عليها ضغط الأصوات من كل جانب، وحتى خارج المواصلات، يتكرر السيناريو بصيغة أخرى:"ليه ما تودّيهيش مركز متخصص يابنتي؟
""علّميه يتكلم"، قائلة"وكأني ماعملتش كدة واكتر كمان"، لتجد نفسها أمام أشخاص لا يعرفون تفاصيل حالتها لكنهم مقتنعون أنهم يعرفون الحل الذي فاتها. أحمد محمدى رجل بالغ عاقل واعٍ تمامًا، يعرف بالضبط ماذا يريد وإلى أين يتجه، يتحرك بكرسيه المتحرك بثقة الإنسان الذي اعتاد طريقته الخاصة في التنقل.
وفجأة، يجد يدًا غريبة تمسك مقابض كرسيه وتدفعه، لا سؤال، لا استئذان، فقط قرار أحادي: «طالما قاعد على كرسي متحرك، يبقى محتاج مساعدة»، يتحرك الكرسي بيد غريبة، وصاحب الكرسي لا يعرف حتى إلى أين تأخذه؛ لم يُسأل:"أنت رايح فين؟
" فقط دُفع، كأنه شيء يُنقل لا إنسان يُستشار. اللحظة تبدو بسيطة من الخارج، تصرف «طيب النية» لكنها بالنسبة له اقتحام لأكثر مساحاته خصوصية، جسده وحركته، دون أن يُمنح فرصة الاختيار، لا يشعر أحمد بالامتنان لصاحب هذه اليد «الذي يعتقد أنه يقدم واجبا يشكر عليه»، بل بشيء أقرب إلى فقدان الأهلية؛ كأن قراره في التصرف بجسده أصبح موضع تدخل أي عابر يظن أنه يعرف ما يحتاجه أفضل منه هو نفسه.
لكن كل مرة تتحدث بلغة الإشارة، تواجه معضلة صامتة: هل الكلام الذي يخرج من فم المترجم هو فعلاً ما قالته، أم نسخة أخرى منه مررت عبر فهمه هو؟ فالمترجم لا يلتزم دائمًا بالنقل الحرفي؛ أحيانًا يترجم «على حسب ما هو شايف»، يختصر أو يعيد الصياغة بتفسيره الخاص، وهي تفقد السيطرة على رسالتها في اللحظة التي تُترجَم فيها.
، يشعرون أن المترجم لم يعد وسيطًا أمينًا، بل صاحب وصاية على صوتهم؛ هو من يقرر ماذا يُقال وكيف تصل كلماتهم، والمفارقة أن هذا التدخل يأتي تحت مسمى المساعدة نفسها؛ الترجمة، التي يفترض أن تكون أداة تمكين، تتحول إلى أداة سلب حين لا تنقل الكلام كما قيل بالضبط. فقدان الخصوصية هنا ليس جسديًا كحالة الكرسي المتحرك، بل فقدان لملكية الكلمة، لحق التعبير عن الذات دون وسيط يقرر نيابة عنها ماذا تعني كلماتها.
في تناولها لظاهرة المساعدة المفرطة التي يتلقاها بعض ذوي الهمم من محيطهم الأسري والمجتمعي، تشير الدكتورة إيمان عبدالله، أستاذ علم النفس، إلى أن هذا السلوك، رغم انطلاقه غالبا من نوايا طيبة، قد يتحول إلى عبء نفسي يعيق استقلالية الفرد بدلا من أن يدعمها. الميل إلى تقديم المساعدة دون طلب، من وجهة نظر دكتورة إيمان، ينبع من تشابك عدة دوافع نفسية واجتماعية، فالتعاطف والرغبة الصادقة في تخفيف معاناة الآخرين يقفان غالبا وراء هذا السلوك، إلا أنه في أحيان أخرى يتحول إلى وسيلة غير مباشرة يشعر من خلالها الداعم بكفاءته الذاتية، فيمارس ما تصفه بـ"دور المنقذ".
»، وهو خلط تحذر منه استاذ علم النفس لما له من أثر سلبي، إذ يُعمَّم النقص الجسدي أو الحسي على بقية القدرات الذهنية والسلوكية للشخص. أما الدافع الثالث فيتمثل في القلق الأسري، حيث تُترجم مخاوف بعض الأسر من تعرض أبنائهم للفشل أو الأذى إلى حماية مفرطة، تحرم الفرد -بحسب تعبيرها- من فرص التجربة والتعلم. تستعين عبدالله بمفهوم «مثلث الدراما» في علم النفس، الذي يوزّع الأدوار في العلاقات الإنسانية دون وعي غالبا بين ثلاثة أطراف: الضحية، والمنقذ، والمعتدي.
من هذا المثلث تنبع ظاهرة تسميها «عقدة المنقذ»، حيث تُمارَس دفاعات نفسية عبر الدعم المفرط، هربا من القلق على الشخص المُعان، أو ملئا لفراغ نفسي لدى الداعم نفسه. تقديم المساعدة غير المشروطة، كما تشرح، يمنح الداعم شعورا ضمنيا بسيطرة أفضل على الطرف الآخر، وهنا ينشأ ما تصفه بـ«مأزق الامتنان الإجباري»، وهو ما يعني أن فرض المساعدة دون طلبها يضع ذا الهمة في موقف إرباك نفسي، بين قبول التدخل في مساحته الشخصية والسكوت احتراما للنية الطيبة، أو رفضه فيُتَّهم بقلة التقدير أو يوصف بأنه عبء.
استنادا إلى نظرية «العجز المتعلم» لعالم النفس مارتن سيلجمان، تفسر دكتورة إيمان الأثر النفسي طويل المدى لهذا النمط من الرعاية قائلة"اعتياد الفرد على أن يتولى الآخرون مهامه وقراراته يولّد لديه تدريجيا قناعة بأن أفعاله لا قيمة لها وأن بيئته خارجة عن سيطرته، وهو ما ينعكس تراجعا في المبادرة والقدرات الدفاعية النفسية"من. ومن زاوية أخرى، فإن الكفاءة الذاتية للإنسان تُبنى من خلال الخبرات والتجارب المباشرة والنجاحات المستقلة، في حين تراكم الحماية المفرطة أمام الفرد تجارب فرص ضائعة، فيصبح -على حد وصفها- غير قادر على مواجهة حتى التحديات اليومية البسيطة بمفرده، مع تراجع الثقة بالنفس وازدياد الاعتمادية كنمط ثابت في الشخصية لا كحالة مؤقتة.
تلفت استاذ علم النفس إلى نوع آخر من الأذى النفسي، ينشأ من تسلل الوصاية عبر ممارسات يومية تبدو في ظاهرها لطفا وحسن خُلق، بينما تحمل في جوهرها إشارات ضمنية لعدم الكفاءة، ومنها معاملة الشخص البالغ من ذوي الإعاقة بأسلوب يناسب طفلا صغيرا، على سبيل المثال، تترك أثرا مؤلما يجعله يشعر بإلغاء حضوره. المبالغة في الإشادة بمهام يومية روتينية يقوم بها الشخص تحمل بدورها دلالة سلبية كما أشارت، إذ تعكس توقعات مجتمعية منخفضة، وكأن مجرد قيامه بمهام بسيطة إنجاز يستحق الاحتفاء، وعلى المدى الطويل، تفضي هذه الممارسات مجتمعة إلى فقدان الهوية وتآكل مفهوم الذات، وتترك الفرد عرضة لقلق اجتماعي دائم وتجنّب مفرط للمخاطر.
بناء على ذلك، تدعو أستاذة علم النفس إلى ثقافة نفسية أسرية ومجتمعية جديدة، تنتقل من نموذج «الرعاية والوصاية» إلى نموذج «التمكين والمساندة الإيجابية»، ومن أبرز ما تطرحه في هذا الإطار ما تسميه «قاعدة الاستئذان»، وهي أداة تربوية بسيطة وفعالة، تقوم على سؤال الفرد مباشرة: «هل تحتاج مساعدة؟ »، بما يعيد له معايير التحكم والسيادة، ويجعله صاحب القرار في إدارة مساحته الخاصة.
وعلى المستوى الفردي، تحدد دكتورة إيمان مجموعة من الممارسات العملية التي تراها ضرورية: الاستئذان قبل تقديم أي مساعدة، والصبر مع تحديد واضح لحدود الحماية من المخاطر الفعلية دون سواها، وتنشئة قائمة على الاستقلالية الذاتية، وتوزيع عادل للمسؤوليات والواجبات المنزلية، والتعامل مع الفشل والخطأ كفرصة طبيعية للتعلم لا كدليل على عدم القدرة. وفي ختام طرحها، تؤكد أستاذة علم النفس، أن النمو النفسي لا يحدث داخل مناطق الراحة التامة، وأن المطلوب ليس فقط توفير بيئة ميسّرة، بل تمكين الفرد فعليا من القيام بمهامه الأساسية بنفسه، ومشاركته في قرارات حياته اليومية من تعليم وعمل وعلاقات.
مؤكدة أن"التخلي عن الوصاية لا يعني رفع الدعم، بل تقديمه بروح الاحترام والشراكة التي يحتاجها كل إنسان ليتطور وينمو بشكل مستقل".
كرسي متحرك علم النفس تمكين ذوي الهمم ذووي الهمم
